مرض العصر!
لا شك أن المرض النفسي هو مرض العصر، ولأن ضغوط الحياة أصبحت أكبر مما يتحمله الإنسان، فلذلك ترتفع الأعداد التي تعاني هذا المرض. وبالطبع فإن المملكة ليست خارج دائرة المرض النفسي، وما قرأته في جريدة ''المدينة'' والذي نشر بتاريخ الثالث من حزيران (يونيو) هذا العام 2011 تحت عنوان ''مرضى نفسية جدة، يتصارعون على سرير واحد''، وفي حوار في نفس الصفحة مع مدير مستشفى الصحة النفسية في ''جدة'' الدكتور ''سهيل عبد الحميد خان''، تفاصيل تنذر بكارثة اجتماعية، وما ذكره الدكتور يمثل ليس فقط جرس إنذار، ولكنه قنبلة انفجرت في وجه وزارة الصحة من جهة، وفي وجه المجتمع من جهة أخرى، فقد ذكر الدكتور ''خان'' أن المستشفى يستقبل ما بين 120 إلى 150 مريضاً يومياً! وهو رقم مخيف، خصوصاً أنه يتحدث عن ''جدة'' وتوابعها فقط .. الذي يمثل خمسة ملايين نسمة، فماذا يكون الرقم الذي يستقبله المستشفى العام، إذا كانت الحصيلة 150 مريضاً في اليوم! وماذا عن تعداد المرضى النفسيين في المملكة! المؤكد أن الرقم مضاعف. وشكا الدكتور ''خان'' من نقص أعداد الأسرّة لاستقبال المرضى، وخصوصا أن هناك مرضى ترفضهم أسرهم مما يضاعف المشكلة، حتى أن شقيق أحد المرضى سألته الجريدة عن مشكلة أخيه، فقال إن طريقة التعامل مع المرضى تخرج من دائرة الإنسانية، فهم لا يتعاملون مع المريض في نطاق مرضه، وإنما يتعاملون معه على أنه مجرم، وحكى كيف أن الهلال الأحمر السعودي، رفض نقل شقيقه إلى المستشفى إلا بوجود رجل أمن، وعندما جاء رجل الأمن وضع القيود في يدي شقيقه وكأنه مجرم مطلوب في جريمة. مواطن آخر شكا من أن الحصول على سرير في مستشفى الصحة النفسية يحتاج دائماً إلى ''واسطة''. وهذه كلها علامات استفهام! المعروف أن مستشفى الصحة النفسية قديم وسعته محدودة في الوقت الذي تزداد فيه أعداد المرضى النفسيين.
ومنذ تسع سنوات كانت هناك وعود بإنشاء مجمع مستشفى الصحة النفسية يتسع لـ 500 سرير، على أن ينتهي العمل فيه خلال ثلاث سنوات، لكن الوعود تبخرت في الهواء بسبب الأرض التي سيقام عليها المجمع، فكلما تم اختيار الموقع يظهر أنه مملوك بصكوك وعليه تعديات، وتكرر ذلك عدة مرات، وأخيراً وصل الأمر إلى تحديد موقع على طريق ''مكة''، وبالفعل تم إسناده لأحد المقاولين ليبدأ العمل، ثم ظهر في النهاية، أن الأرض عليها تعديات، يعني ظلت المشكلة قائمة، ولا أفهم لماذا لا تنتزع الأرض بوصفها للمنفعة العامة وتعويض صاحبها، حتى تنتهي مشكلة هؤلاء الذين يجلسون أمام مستشفى الصحة النفسية في انتظار خلو سرير، ويتفاقم المرض مع المريض، ونصل إلى طريق مسدود لا يهدد المرضى فقط، ولكن يهدد المجتمع كله، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء.