طغاة من طينة الكارثة
رغم الحنق الذي أبدته إسبانيا ومعها أوروبا ضد الجنرال فرانكو الذي حكمها نصف قرن بقبضة من حديد، إلا أنه وقد بلغ من العمر عتيا وأيقن أنه لا بد راحل عرف كيف يرضخ لتغير الزمن ومطالب إسبانيا وشعبها، فراح يهيئ الانتقال بإسبانيا من حكمه العسكري إلى ملكية دستورية أعد لها ولي عهدها خوان كارلوس ملكا لكيلا تنزلق بوفاته إلى فوضى وعنف وتمزق، فاستعادت إسبانيا ديمقراطيتها ولحقت ببيتها الأوروبي.
الأمر نفسه فعله، بطريقة أخرى الجنرال العجوز بنوشيه، الذي حكم تشيلي بقبضة من حديد أيضا عقب إطاحته الدموية بحكومة الليندي.. ثم أمضى عقدين من الغشامة الأمنية في إدارة تشيلي وبسلطته الكابوسية المطلقة، لكنه حين أحس بتراخي قبضته تحت ضربات الرفض الشعبي، عمد إلى التمهيد لرحيله بوضع برنامج اقتصادي يحول دون سقوط تشيلي في الفوضى، ولما تم إقصاؤه بقيت البلاد في مأمن من الانزلاق لكارثة كانت محتملة!
فرانكو، وبنوشيه كانا ديكتاتورين اختصرا بلديهما وشعبيهما في شخصيهما، غير أنهما رغم وحشيتهما وكل المظالم التي عانتها جموع شعبيهما من حكمهما بقيت لكل واحد منهما خصلة تجنيب بلديهما فظاعات الفوضى أو الحرب الأهلية.
في عالمنا العربي، لدينا ثلاثة زعماء: معمر القذافي وعلي عبد الله صالح وبشار الأسد، رزحت أنظمتهم عقودا من الزمن على صدور شعوبهم حتى كادوا يزهقونها، وحين هبت هذه الشعوب تطالب بالإصلاح والخلاص من ويلات الرعب والفساد والسجون والمنافي وتكميم الأفواه وقطع الأرزاق، أداروا حرب إبادة ضدهم لأن هؤلاء الثلاثة زعماء ليسوا من طينة طغيان فرانكو وبنوشيه وإنما من طينة طغيان شاذ، يستخف بحياة الناس كل الناس ويسترخصها ويسترخص معها وجود الوطن نفسه بل الأمة برمتها.. وشعارهم نحن أو الفوضى .. نحن أو الطوفان.. سواء كان الطوفان مزاعم المؤامرات الخارجية والمندسين والعصابات المسلحة أو فزاعة الإخوان المسلمين أو القاعدة أو الحوثيين أو حتى الغزو الخارجي والتقسيم إلى العدو الصهيوني طبعاً.. مزاعم وفزاعات تم التمترس خلفها في استهانة رعناء بكرامة الشعوب والأوطان، قاصرين الامتياز المطلق على ذواتهم فحسب ملتاثين بجنون عظمة هو الأكثر تطرفا وشذوذا، فما من قائد في التاريخ أمعن مثلهم في علواء شذوذ رؤية نفسه أعظم الجميع وضدهم أيضا حتى العتاة تركوا بلدانهم خارج الكارثة حين أزفت ساعة الاختيار الحاسمة.. لكن القذافي وصالح والأسد طغاة معجونون من طينة الكارثة نفسها، جاءوا إلى سدة الحكم في غفلة من الزمن وفي ظروف ملتبسة، أما وقد صحا الزمن وتبين سبب التباس الظروف فقد فاضت الشوارع بالشعوب المقهورة.. لم يصدق هؤلاء الطغاة، صعقوا، جربوا طلاسمهم في إعادة التاريخ للوراء بالتضليل والتدليس، وحين لم تجد نفعاً ركبوا طبيعتهم الكارثية، مؤتمين بمثال شاذ منكر في غابر التاريخ هو الطاغية نيرون .. يريدون هم أيضاً إحراق بلدانهم.. لكن نيرون مات.. ولم تمت روما بعينها تقاتل!!