استهلاك النموذج
قد يكون النموذج فردا أو مؤسسة، وقد يكون نشاطا، عملا، سلوكا، آلية أو توجها، في القطاع العام أو في القطاع الخاص لكن حين يصبح النموذج محل إقبال مكثف لتقليده أو للاحتذاء به أو التعويل عليه في تحقيق النجاح نكون أمام ظاهرة استهلاك النموذج.
ومن يتأمل علاقتنا بالنموذج في تقدير كفاءة الأشخاص أو المؤسسات التي تنجح في معالجة ما يخصها من مهام في قضايانا وبرامجنا أو مشاريعنا أو أنشطتنا التنموية، سيجد أن هناك ميلا مفرطا لاستهلاك النموذج، وهو ميل ناجم من ناحية، عن البنية النفسية والوجدانية لمجتمعنا الذي يأنس للمألوف والسائد ويطمئن إليه.. وناجم من ناحية أخرى عن علاقة الوعي العام بالحضارة والمدنية والحداثة. فما زالت ذهنيتنا حديثة عهد بتعقيداتها مقابل رسوخ الخلفية الرعوية الريفية فيها، ما يؤدي إلى تشوشها ويحد من تبلور رؤيتنا في ضوء معطيات العصر بنزعته العقلية التي تتطلب الدراية والدراسة والتخطيط.
هنا لا بد من الإحالة إلى التحولات التي أحدثتها التنمية منذ طفرة سبعينيات القرن الماضي وما أعقبها من دورات اقتصادية اتسمت بالتذبذب بين الانكماش والازدهار، فقد كان سوق العمل شحيحا في كمية النشاط وفي تنوعه، وعند اندلاع الطفرة حدث إقبال هائل على الأعمال والمنشآت الخاصة، لكنها تماثلت وتركزت في ممارسة نشاطات محدودة، فامتلأت شوارع مدن المملكة وقراها بمكاتب العقار، محال مواد البناء أو التجهيزات الكهربائية أو شركات المقاولات، ولاحقا بدأت تنمو خدمات الصيانة والنظافة ومعها تزاحم على نمط من المطاعم والصيدليات ثم الأسواق والمجمعات فالمولات الكبرى.. إلخ، كما تدافع الناس إلى استنساخ طرز بناء منازلهم وموضة الاستراحات وأثثوها ووضعوا ديكوراتها بهيئات متقاربة، كما سرى الاستنساخ على الاختيار في السيارات ووجهات السفر حتى بدت السياحة مقصورة على الذهاب لدول بعينها، وقل مثل ذلك في خدمنا وحشمنا وفي إخراجنا لحفلاتنا وأعراسنا ومناسباتنا الاجتماعية. بل تناسخ هذا الميل المفرط لاستهلاك النموذج في اختيار أبنائنا أو آبائهم لنوع التخصصات والمدارس!!
وإذا كان استهلاك النموذج مقبولا مبررا في بدايات الطفرة لقلة الخبرة وحداثة التجربة فإنه ليس من المنطق أن يظل يمارس استحواذه على حياتنا الاجتماعية وقد خضنا أربعة عقود من التنمية، إلى حد جعلنا أسرى لحلول بالنمطية ذاتها وبمنهج يعيد إنتاج نفسه؛ إذ ما زلنا نعالج قضايانا ومشاريعنا وبرامجنا في كل مرة بالآليات نفسها من نوع: "ضرورة إنشاء جهاز، بناء قاعدة معلومات، رفع كفاءة القوى البشرية، العمل على زيادة الإنتاجية، الحرص على الارتقاء بالجودة والنوعية، تحفيز الإبداع والابتكار والاختراع، المبادرة والسرعة في الإنجاز والشفافية.. إلخ" عبارات وجمل لو نظرنا في توصيات الندوات والمؤتمرات ووثائق الخطط لوجدناها هي ذاتها تستعرض كل مرة فحولة حضورها أمامنا وبقاسم مشترك يحمل المعنى والدلالة ذاتها مهما اختلفت الصياغات، وحين تنسد الدروب ونكتشف أن هذه الآليات بقيت مجرد حبر على ورق نهرول إلى الاعتصام بالنموذج .. نعيد إنتاجه أو استهلاكه!!
إن تقليد النموذج الناجح مقبول حين يتفوق المقلد على ما قام بتقليده أو حتى حين يجيء بمستواه، لكن حين لا يحدث ذلك فإنه يصبح عندئذ عقبة كأداء، أما حين يصبح النموذج الناجح بديلا عن غيره مزيحاً إياه ومقصياً إمكانات سواه كي يحل محله فذاك، علاوة على كونه إشغال الناجح عن أداء مهامه الأساسية، فإنه يؤدي إلى تكريس الإحباط وتثبيط الهمم مثلما حدث مع "أرامكو" حيث أنيطت بها، لأنها شركة ناجحة في صناعة النفط والغاز، مهام إنشائية، أو مثل تكليف رئيس مجلس إدارة شركة ناجح أو رئيسها أو مسؤول جهة حكومية بالقيام بمهام غيره أو نقله إلى جهة متعثرة لإنقاذها.
إن استهلاك النموذج الناجح سواء كان آلية أو فردا أو مؤسسة، لا يجعل الاستنساخ سمة سوق العمل، بل يقطع الخط على التطوير النوعي المؤسسي ويطيح بالمنافسة، من خلال تقليص النشاط أو النكوص عنه، وربما الانسحاب من سوق العمل نهائياً ما دام نجاح نموذج في مهامه الأساسية مدعاة لتكليفه للقيام بعمل يُفترض أن تقوم به جهات أخرى أو أشخاص آخرون، عوضا عن أن يثقل به كاهل ذلك النموذج الناجح, و يعاق عن اختصاصه!!