أيها المهندس.. من رآك؟!

إن لم يكن الأستاذ خالد العثمان قد شق جيبه قبل أن يصرخ مقالته (قطاعنا الهندسي في مهب الريح) التي نشرت في (رأي) هذه الجريدة في 18/4/2011 فأجزم أنه كاد، فالمقالة عصارة حسرة مرة على حجم المعاناة والتهميش اللذين يشعر بهما المهندس الوطني في خضم بحر متلاطم من المشاريع الإنشائية وغيرها يقطف جناها النطيحة والمتردية وما ترك السبع من الوافدين وأجزم أنها حسرة، نهشت بأظافرها إحساس من قرأ ووعى!!
وكانت هذه الجريدة قد نشرت في 17/4/2011 أيضا وعلى صدر صفحتها الأولى موضوعاً ذا صلة بعنوان بارز (4 آلاف مشروع متعثر تحت نظر خبراء إدارة المشاريع في الرياض)، جاء في سياق خبر انعقاد مؤتمر إدارة المشاريع الذي نظمته هيئة المهندسين السعودية بمشاركة خبراء محليين وعالميين في استهداف من الهيئة لرفع كفاءة إدارة المشاريع من خلال تطبيق منهجية إدارتها في المملكة.
وانطلاقاً من حرقة الأستاذ العثمان، ومن هول تعثر أربعة آلاف مشروع على مدى ثلاث سنوات فحسب، يمكننا أن نسأل: أين محل المهندس السعودي من الإعراب في هذا التعثر الحرج؟! وهل أن ما تطرق إليه الأستاذ العثمان عن انحباس مشاركات قطاع الهندسة السعودي في التنمية العقارية كان سببا أم نتيجة؟!
يقول العثمان إن لدى الهيئة السعودية للمهندسين إشكالية تموضع إداري ومالي، فكادرهم الهندسي في متاهة اللوم والتلاوم بين وزارة الخدمة المدنية ووزارات وجهات أخرى، وقل مثل ذلك في تصنيف المكاتب الهندسية، وفي الاعتماد المهني وفي ترخيص المكاتب الهندسية الأجنبية وغيرها .. وأزمة التموضع هذه تصبح عقبة كأداء فاقع لونها حين يتم النظر إليها بناء على ما ذكره الأستاذ العثمان، من أن مجموع المهندسين العاملين في المملكة يبلغ 140 ألف مهندس يمثل السعوديون منهم أقل من 20 في المائة، علماً بأن إجمالي خريجي كليات الهندسة في الجامعات السعودية لا يتجاوز الألفي خريج في العام الواحد .. هذا يعني أن ما يقرب من 110 آلاف من المهندسين الذين يسرحون ويمرحون في طول البلاد وعرضها ويستثمرون عسل ولبن قطاعنا الهندسي هم بصريح العبارة والإشارة والرقم والمعدل والنسبة والتناسب ليسوا سعوديين، وأن سعودة القطاع الهندسي (حديث خرافة يا أم عمرو)!!
يقول الأستاذ العثمان: (كم أشعر بالأسى عندما أرى هذه المشروعات الكبرى يتم إنجازها بأيدي الوافدين في القطاعين الحكومي والخاص يخرجون منها وقد شحنتهم بالمهارات والخبرات والمهندسون السعوديون غائبون عن هذه الورشة الكبرى) وهو لا يستثني شركات المقاولات والمكاتب الاستشارية التي تستند بشكل كاسح - كما يقول - إلى المهندسين الوافدين، وحتى المشروعات التي تطرحها الجهات الحكومية وتدعو لها شركات أجنبية دون إلزامها بأي شكل من التضامن والتعاون مع الكيانات المهنية والهندسية المحلية!!
وإذا كان هذا هو حجم العطب الجوهري المحيق بدور المهندس السعودي وبهيئته، فإن من حق العثمان وزملائه في المهنة الشعور بالأسى الذي نشاركهم فيه، لأن هذا عدا كونه خروجا لقطاع الهندسة السعودي من (المولد بلا حمص) - كما يقول أشقاؤنا في مصر – فإنه يعني حقا خسارة مركبة تمس نمو هذا القطاع تأهيلياً ومالياً وفنياً وتصيبه بالكساح، وفي الوقت نفسه، تمعن في إهدار قيمة مضافة لاقتصادنا فيما لو حظي هذا القطاع بنعمة الاعتماد عليه في الدراسة والإعداد والتخطيط والإشراف والتنفيذ.. لأنه حينذاك سيضخ قدراً من الثروة الوطنية المستثمرة لتتدفق حيويتها في عصب اقتصاد الوطن بدل نزفها خارجه كما سيوطن قدراً عظيماً من كنز الخبرات النوعية في مجال الهندسة بتلاقحه ميدانياً مع الخبرات الأجنبية العريقة وبالتالي يرسخ تقاليد وشخصية وهوية للقطاع تجعله نفسه قيمة تنافسية يحسب لها حساب بدل أن يعامل وكأنه من سقط المتاع (!!) ألسنا نتحدث عن التنافسية؟ ها نحن نبني سداً بيننا وبينها.. نتركها تكسد في مهنة هي جوهر في عمليات التنمية.. تملك كل ميزاتها النسبية التنافسية ما عدا - وآسفاه - ميزة استثمارها!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي