فجر الأوديسا

اختار التحالف الدولي لحملته لتنفيذ قرار الأمم المتحدة رقم 1973 بحظر الطيران الجوي على ليبيا اسم (فجر الأوديسا)، فهل كان الاختيار موفقا؟
الأوديسا أو الأوذيسة ملحمة أنشأها الشاعر الإغريقي هوميروس قبل نحو ثلاثة آلاف عام، أخذت عنوانها من اسم بطلها أوديسيوس أو أوذيس أو عوليس أو اليسيس أو أوليس (وكلها منطوقات مختلفة لاسمه)، كان ملكا على جزيرة إيثاكا إحدى ممالك الإغريق، اشتهر بالشجاعة والدهاء والقوة لكنه لم يكن ميالا للحرب, وحين كانت اليونان تستعد للحرب ضد طروادة جاؤوا إليه لينضم إليهم فتظاهر بالجنون، صار ينثر الملح في حقله بدلا من البذور، كما ربط المحراث إلى أتان لكن مواطنه (فلاميلس) كشف خداعه بأن وضع طفله تليماخ أمام المحراث فأسرع أوديسيوس لإنقاذه، (ولم يغفر له ذلك فقتله بعد حين) وهكذا اضطر للانضمام إلى الحرب التي دامت عشر سنين كاد اليونانيون فيها أن ييأسوا من دخول طروادة الحصينة لولا أن تفتق ذهن أوديسيوس عن صُنع حصان خشبي كبير عهد بتنفيذه للصانع الماهر (أفيوس) واختفى عدد من الجنود فيه.
تظاهر اليونان بالانسحاب وحين شاهد الطرواديون الحصان (الذي أصبح يعرف بحصان طروادة) حملوه للداخل باعتباره غنيمة، وفي غمرة نشوتهم احتفالا بالنصر، وبعدما أعماهم السكر، تسلل الجنود من خارج الحصان وفتحوا أبواب أسوار طروادة، فدخلت جيوش اليونان ودمرت طروادة. وكان أوديسيوس من أبرز أبطال تلك الحرب, بل هو بحيلة الحصان مفتاح النصر.
وقد كان يظن أن طروادة محض أسطورة اختلقها خيال هوميروس مادة لملحمته الأخرى الخالدة والشهيرة "الإلياذة" إلى أن جاء عالم آثار ألماني عبقري فنان، فتنته أشعار هوميروس وحفظها كلمة كلمة، اسمه هينريخ شليمان (سيرته أسطورة بذاتها كتبت عنها هنا: الرجل الذي جعل الأسطورة حقيقة بتاريخ 17/6/2007م) قام بالتنقيب عن طروادة وتمكن من اكتشافها بكنوزها المذهلة عام 1873 فتخاطفت وكالات أنباء العالم اسمه!
تبدأ الأوديسا من رحيل أوديسيوس من طروادة مبحرا إلى مملكته إيثاكا، حيث زوجته الجميلة بينلوب وطفله تليماخ، صارع الأمواج، قذفته إلى سواحل إفريقيا وقد تكون طوحت به إلى ليبيا، تاه في البحر عشر سنوات، قابل خلالها الأهوال، قاتل الوحوش والمخلوقات العجيبة، قاوم إغراء الساحرات وغضب الأرباب. ولما وصل إيثاكا بعد غيبة عشرين عاماً عرف أن أمراء الجزر أحاطوا ببيته يأكلون رزقه ويبددون أمواله ويلحون على زوجته أن تختار واحدا منهم زوجا لها مدعين أن أوديسيوس قد هلك، وكانت تؤجل قرار الاختيار بحيلة حياكة نسيج كفن لوالد أوديسيوس (ليرت)، ووعدتهم أنها ستختار واحداً منهم عند الانتهاء منه، لكنها كانت تنقض في الليل خيوط ما حاكته في النهار حتى مضت ثلاث سنوات وفي السنة الرابعة وشت بها وصيفاتها للأمراء، لكن آنذاك، كان أوديسيوس قد حضر إلى بيته على هيئة شحاذ عجوز، لم يتعرف عليه سوى كلبه الذي هرم وحين تحسسه دمعت عيناه ومات، أما ابنه تليماخ فبعدما ذهب للبحث عنه عاد ولما رأى أباه لم يعرفه لكنه أحسن استقباله.
ضاق الأمراء ذرعا بمماطلة بينلوب وألحوا عليها بالزواج، أخبرتهم بأن لديها قوساً لأوديسيوس فمن يستطيع أن يثنيه ويضع سهما فيه يسدده لينفذ من خروق اثتني عشرة فأساً متوالية فإنها ستكون زوجة له .. حاول كل واحد لكنهم فشلوا، عندها تقدم أوديسيوس قائلا: دعوني أجرب حظي، وفي غمرة سخريتهم منه، دهش الجميع وهم يرونه يثني القوس، يضع السهم فيه ثم يسدد فيمرق من الثقوب الاثني عشر ليستقر في الجدار، فتأكدت بينلوب أن هذا الشحاذ العجوز هو أوديسيوس .. ثم قضى على الأمراء الطامعين في ملكه وبزوجته. تلك هي قصة الأوديسا، فهل من تطابق في رموزها مع التسمية التي اختارها التحالف لحملتهم؟!
لا بد أن عسكريا يفتقر إلى الخيال اختار هذه التسمية أو أنه انحياز الغرب إلى تراثه، وإلا فهي تسمية تتنافر مع الأوديسا موضوعيا ومجازيا: فأوديسيوس تاه في البحر، أما التحالف فجاء وخريطة طريقه في البحر والجو والبر مرصودة بأدق التفاصيل، وأوديسيوس كان عائدا إلى وطنه إيثاكا فيما ليبيا ليست وطن التحالف. وكان الأمراء الأغراب هم مَن يستعبد إيثاكا بينما الطاغية الليبي هو مَن يستعبد وطنه، وفيما حرر أوديسيوس مع أهله وطنه فقد تورط تحرير ليبيا بشراكة أهلها مع الأغراب (التحالف), كما أن اتجاه الرحلتين متعاكس، علاوة على ذلك، لم يكن فجر الأوديسا سوى الشفق لمغرب العمر فقد هرم أوديسيوس وهرمت زوجته وهربت منه سنوات طفولة وصبا ابنه ومات كلبه الوفي! وهكذا تتهاوى هذه التسمية ولا ينقذها غير كون أوديسيوس قد استعاد مملكته، لكن ـــ وبفتح النظر على كل ما سبق ـــ يبقى المهم الأهم انبلاج فجر حرية ليبيا!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي