إنه عيوب العرب وذنوب الغرب

لا يمكن أن يكون القذافي قد قرأ أو شاهد مسرحية ''الملك أوبو'' لألفريد جاري ولا شاهد أو سمع مسرحية فيروز للأخوين رحباني ''ناطورة المفاتيح''، فقد هرب الشعب فيهما من الطغيان، مع أنه في الأولى أدرك الملك الحقيقة وصاح صيحته الشهيرة: (لو لم تكن بولندا لما كان هناك بولنديون)، وفي الثانية ''شفي الملك من غطرسته على يد الصبية ''زاد الخير''، والقذافي أيضا ما قرأ أو سمع بمسرحية ''الإمبراطور'' لهانس أندرسون والشغف الجنوني للإمبراطور بالملابس الفاخرة حتى استنفد أموال الدولة وأثقل بالضرائب من أجلها كواهل شعبه وبلغ هوسه بها وضع جائزة لمن يخيط له ثوباً لا مثيل له، فتقدم خياط من عامة الشعب وأوهمه بأنه خاط له أرق ثوب ألبسه إياه وخرج بموكبه إلى الشارع يستعرض حتى فضحه طفل في الحشد، صرخ: ''الإمبراطور عارٍ''.
القذافي لم يقرأ، كذلك، رواية جورج أورويل ''1984'' عن الأخ الأكبر الذي يراقب الكل ويحصي الأنفاس، أو رواية إسماعيل كاداريه ''قصر الأحلام'' عن سلطة غاشمة راحت ترصد أحلام شعبها، تصنفها تحاشياً للحلم الخطير!!
حتى لو قرأ القذافي أو سمع أو شاهد هذه الروائع الإبداعية فلن يرى جنون شذوذه موزعاً فيها، لأنه سادر في ملكوت هذيانه، يخاطب أشباحاً، فالشعب (جرذان، جراثيم) وليبيا (نار حمراء، جمر)، غير أن الغرب قرأ بالتأكيد كل ذلك وأكثر مثلما هو عارف بالشذوذ الهستيري للقذافي، أولم تكتب عنه في بداية عهده الكاتبة الإيطالية ميرلا بيانكو كتاب (القذافي رسول الصحراء)؟ في تضليل وإيهام له وفي اجتراء على كلمة (رسول) نفسها، بل إن إخصائيي الغرب النفسيين ومراكز دراساته وكتابه فضلاً عن ساسته يعرفون أنه شخص مجنون بالفطرة، ومع ذلك ثابر الغرب لعقود أربعة على تغذية خيلاء هلوساته وأمده بالسلاح، الذي أدار به الحروب على صدور الشعوب الإفريقية واللاتينية واغتال به وفجر في أنحاء أخرى من الأرض، كما يدير به اليوم رحى حرب الإبادة ضد شعب ليبيا في حنق ''نيروني'' لإحراق الجميع.
إنها تراجيديا: ''أراجوز استبداد'' فيها القذافي، كما يراه إعلام الغرب مجرد ''مسخرة'' للإثارة تتسابق على إجراء المقابلات معه فضائياته وصحفه فيما تشهق ليبيا أنينا ودما وموتا، لكن الغربيين لم يروا فيه سوى نسخة عربية لمخيالهم السينمائي، لـ ''رامبو – أراجوز'' يسحق الكل ويبيد الجميع.. أراجوز لا يشبه حتما ذلك الذي يجلب التسلية والمتعة: فالقذافي لم يجلب سوى اللعنة، الأكثر رعبا من مصاص الدماء ''دراكولا''!!
فادح وحشي هذا النصيب؟ أن يكون الطيبون الليبيون رهائن هذا السفاح لمدة 42 عاماً؟ ما كان بإمكانهم أن يعرفوا، وهم يودعون الملك إدريس السنوسي أنهم يستبدلون وديعاً بسفاح؟.. كانت أذهانهم تتألق بوهج صورة مناضلهم الطاهر: ''عمر المختار''.. أما كيف جاء هذا الأراجوز الكارثي؟ كيف ولغ في الدم وكرع فيه وهو يقهقه ويتعجرف؟ وكيف ترك له أن يتبختر في خيمته في حواضر أوروبا والعالم المتمدن، يتقلد الأوسمة والنياشين ويستعرض ألبسته ويقوم بالتنظير عن ''ديمومة الكراسي'' و''إسراطين'' وترهات لا تتسع لها إلا مزبلة التاريخ؟ فذاك ما لا تدخره كلمة ''المؤامرة'' حتى لو كانت تسد منافذ تفكير العرب كمشجب لكل النقائص والمظالم.
لقد استضافه الغرب سنين طوالا، هرولوا غادين رائحين منه وإليه، عقدوا الصفقات معه على مقاس شهواتهم نفطا وغازا ومشاريع غالياً ثمنها، هزيلاً وجودها، لأجله ومن أجله خرقوا مواثيق حقوق الإنسان، قايضوه على الدم البريء لمسافرين ضحايا بملايين الدولارات في جريمة ''لوكربي'' واستردوا ما سبق أن باعوه من مصانع وسواها.
ها هي أضواء إعلام الغرب تتوجه نموذجاً كارثيا هجينا ''لرامبو ـــ أراجوز ـــ عربي'' يختصر فيه إعلام الغرب صورتنا التي كرسها في ذهنه عنا ليهجونا من خلاله، يقوم بتسويقه بالنمطية التي عششت سينمائيا في ثقافته ليؤكد نظريته عن طبائع الاستبداد الشرقي فينا، حاذقا من التداول استبداد الغرب منذ محاكم تفتيش كرادلة القرون الوسطى حتى هتلر وموسليني ومن قبلهما ومن بعدهما، فتسليط الضوء على استبدادي عربي أرعن مجنون يدعى معمر القذافي لا يتحدث إلا هذياناً ولا ينطق سوى هستيريا ليس سوى عمل إعلامي ممنهج يستهدف في الجوهر الدمج القسري بين الشذوذ الكارثي لهذا الطاغية بالكل العربي.
إن الغرب يتفرج، على هولوكوست القذافي بدم بارد فيما لم يتردد في الخلاص من طاغية صربيا ''سلوبودان ميلوفيتش''، والقذف به مجرم حرب في سجن العدالة الدولية.. أما اليوم فالغرب خائف من مضادات الدفاع الجوي للقذافي. ويحتاج الحظر على الطيران هو الآخر إلى ترتيبات وفاتورة، لا يدخل في حسابها (طبعاً) ضحايا حرب الإبادة وجموع المشردين المذعورين!!
إن كان القذافي عيوب تخلف العرب فإنه دون ريب ذنوب انتهازية الغرب.. صادقه حين خاصم أمته، كافأه حين نبذته وحين فاض فوق كل الحدود، ليصبح ملك الملوك والحاكم الذي لا يحكم والنظام الذي لا نظام له، تهافت إعلام الغرب على هرطقاته، توجوه نجما إبليسيا على جماجم آلاف الضحايا من شعب ليبيا العظيم!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي