الشعوب ومعادلة التاريخ والسياسة
الوطن هو الأمن والعطاء والوجود، وقد لا يعرف الإنسان القيمة الحقيقية لوطنه إلا عند ظهور محكات تجسد قيمة الوطن في عقل وقلب الإنسان. وبمقدار ما يأخذ الإنسان من وطنه، بقدر ما يكن له من تقدير وحب. أما مفهوم الولاء هو الرصيد الذي ينمو مع الإنسان عبر مراحل حياته المختلفة، شريطة أن تغرسه الأسرة منذ الصغر وينميه المجتمع متفاعلا مع الوطن. حتى المدارس عليها دور كبير وواضح في أهمية تعليم الطلاب ماذا يعني الوطن، وكيف يقدر الفرد نعمة وجوده داخل وطنه، ربما ما نراه على شاشات الفضائيات مما ينقل لنا الأوضاع في تونس وبعدها في مصر وما تعيشه من زعزعة في الأمن، وما حدث نتيجة استغلال تلك البلبلة من قبل بعض الجماعات التخريبية، وتمثل ذلك في السلب والنهب وإثارة الرعب وإطلاق المساجين وغير ذلك من سلوكيات إثارة الفوضى، ومقابل ذلك ما يطرحه المشاهدون لتلك الأحداث عن الأسباب الفعلية لذلك، وعن ماذا يحدث، ومن المسؤول، وهل ما حدث هو بداية الطريق الصحيح لتلبية رغبات وطموحات المواطن المصرين أو أنها بداية الإحباطات التي حملت صورة كبيرة من الآمال فبل قيامها أو تنفيذها، حتى إن افترض البعض أن ما حدث هو نموذج لتفتح العقلية العربية والإصرار على تحقيق أهدافها كشعوب. ما يخشى دائما أن تخلف تلك الأحداث وضعا أصعب من السابق، وهو ما قد لا تقدره تلك الشعوب، فوسيلة كفاح الخطأ ربما تكون أكثر فتكا من الخطأ ذاته. لماذا ينحصر التفكير في فكرة أن التغيير دائما يكون حتما للأفضل، بل إن كثيرا من حركات التغيير عبر التاريخ في نماذج واضحة كانت للأسوأ، ولكن هذه الخسارة جاءت بعد أن دفعت الشعوب أرواحها وأموالها فكانت مع الأسف النتيجة لا شيء وكما يقال من السهل أن يعرف متى تبدأ الحرب، ولكن من الصعب أن يعرف متى تنتهي. والبلبلة، والفوضى، وكثرة الأحزاب والتوجهات الفكرية والسياسية والدينية المختلفة، ربما هي أسوأ في ضياع الأمن من حرب الدبابات، ولكن في النهاية يجب أن تكون هناك عقلانية من قبل الشعوب في تدبر الأمور، وعدم الانصياع خلف الحماسات والاندفاعات الوهمية التي لا تخلف إلا القتل والسرقات والانتهاكات للعرض والمال وغيرها. وحتى لو كانت هناك أخطاء قد تواجهها الشعوب في أوطانها أحيانا، وهي نسبية بين الشعوب، إلا أن الثمن مقابل التغيير قد يكون مريرا جدا. وفي العصر الحالي الوضع أخطر وأكثر حساسية، فالوسائل الحديثة كالإنترنت والفضائيات وغيرها كلها قد تكون مفتاحا للدمار الفكري والسياسي، لذا لابد أن يكون الإنسان العربي أكثر منطقية وعقلانية في تقدير وضعه والأوضاع المحيطة.