الوعي المقلوب
الوعي المقلوب لا يسير مع التاريخ وإنما يناطحه أو يعيش خارجه أو فوقه وتحته وفي ثقافتنا العربية حطب ليل كثير من هذا الوعي المقلوب، أعرض هنا لثلاث شخصيات ثقافية تمثله نراهم يطلون، على المشاهد زبائن دائمين لبعض الفضائيات هم الأستاذ محمد حسنين هيكل، الأستاذ عبد الباري عطوان، والدكتور عزمي بشارة.. يجمعهم قاسم مشترك واحد هو مقت السياسة الخارجية للولايات المتحدة، إلا أن كل واحد يصدر عن موقف فكري مختلف.
فالأستاذ هيكل ظل يحمل جثة جمال عبد الناصر في كيس ــــ على حد تعبير الكاتب الراحل محمد الماغوط - على كتفه، يطوف بها العالم.. وحلقاته التي تبثها قناة "الجزيرة" (مع هيكل) ما هي إلا نموذج لمناطحة التاريخ عكس اتجاهه لأنها اجترار لما في هذا الكيس وكأن الزمن تجمد، وإلا فإن معظم من يتحدث عنهم أسماء باتت في ذمة التاريخ لا يشفع له حرصه على تكرار التنويه بأنه هو من قال لذاك الزعيم أو ذاك أخبره، حتى صار محل تندر المشاهدين في أن من يستشهد بهم أموات مضمون عدم نطقهم، إلى جانب غطسه الدونكشوتي في أزمات وقضايا وأحداث تناءت بعيدا عن ذاكرة مستمعيه لا تقدم أو تؤخر في سياق نبض أحداث العرب الراهنة حيث لا يحسن الأستاذ هيكل سوى شجبها ولطمها عوضا عن تفكيك المشتبك المعقد فيها بتحليل منطقي يبرهن به على امتلاك القدرة في قراءة مشهد الأحداث ببصيرة حضارية موضحاً أو مستشرفا.. ولا أحسبه، رغم قصاصات أوراقه التي يبرزها بين الحين والآخر، إلا مسكونا بأشباح ماض سدت عليه باب الخلاص منه فصار الوعي بالحاضر عنده مقلوباً لا يراه إلا معكوساً في مرآة ذلك الماضي أو منظوراً إليه من خلال عدسته في انحباس عن رؤية مجرى التطور الديناميكي للتاريخ وقوانينه التي يعيرها الأستاذ هيكل اهتمامه لفظا، لكنه يعجز عن أن ينخرط منهجيا وموضوعيا معها ما يجعله، رغم زاده المعرفي الجديد، يمعن عند تطرقه لحدث مستجد، في تطويع وتفصيل هذا الزاد على مقاس ما كان وليس ما هو كائن أو يكون يفعل هذا، مع أنه كان قد قرر الاعتزال لكن إدمان رائحة كيس الماضي أبقته ولم يفعل مثل الراحل الكبير يحيى حقي فقد جعل كتابه الأخير (كنس الدكان) إشارة بليغة لاعتزال نفذه.
أما الأستاذ عبد الباري عطوان، فمعتصم بذهنية فروسية أسطورية تجعله خارج التاريخ منحازا لقطعية مطلقة مع الآخر بغوغائية وغشاوة عاطفية تغطي عليه فلا يرى إلا ذلك المسرح الفروسي المنقرض وقيمه التجريدية الكاسدة في الكتب الصفراء، التي لم تصمد أمام امتحانات واقع الحياة وجدلياتها وطبائع البشر وتبدل البلاد والعباد، ومن هنا نراه ونسمعه كما لو كان قادما من ثقافة أبي فراس الحمداني: (لنا الصدر دون العالمين أو القبر!!) فتارة يترجم ذلك بانكفاء في الحنين للقاء مع أسامة بن لادن لا يفتأ يذكره، وتارة أخرى مرافعة (مجزية الثمن) عن الطاغية صدام حسين وثقافة الموت والمهوسين الانتحاريين.. لكأنه موكل بالرهان على الحصان الخاسر والقضايا الخاسرة!!
في حين أن الدكتور عزمي بشارة، الأستاذ الجامعي المثقف، الشيوعي وعضو الكنيست الإسرائيلي سابقا، ليس من طينة هيكل ولا عطوان، فالرجل ذخيرة ثقافية عميقة واسعة وخبرة كبيرة وتجربة طويلة يمتلك مهارة فائقة في التحليل غير أنه بدلاً من أن يوظف هذه الجدارة المميزة لكي تعمل لمصلحة شعبه وأمته والوعي والحقيقة الإنسانية يجعلها وسيلة للتلاعب بالوعي والحقيقة بانتهازية مؤسية تحركها أهواء المصلحة، مؤتما بمثقفين آخرين عمالقة أغوتهم هذه الجدارة (إكراماً لنفعية ذاتية خالصة) في الاستبسال للتعمية والمغالطة وقلب الحقائق بقلب بارد بانعطافة مضادة تنفرج زاويتها لتصل أحيانا 180 درجة، فمن أقصى أممية اليسار (فوق التاريخ) إلى منظِّر لحزب الله وحماس (تحته) والترف معا!!
قلت، هؤلاء الثلاثة يجمعهم موقف الضد لأمريكا.. وهو موقف تجمع عليه الشعوب في العالم ممن كرهوا الغطرسة والهيمنة الأمريكية إلا أنه فيما عدا ذلك فالثلاثة نماذج صارخة فاقعة للوعي المقلوب يثيرون تساؤلا كسيفا عن الأثر والجدوى التي يمكن أن يحصل عليها من يتابع طروحاتهم التي إما تدفع نحو التمرغ في الأطلال أو ثقافة الموت ولغط الممانعة أو توسيع نطاق الضمير لكيلا يؤنب أو تسييد الدجل وتسطيح الذهنية أو الاقتداء بالانتهازية والتلمذة على تبريراتها.. إن كان هذا هو حصاد ما سيقذفه هؤلاء في جوف عقل العربي فما أغناه عنه فهو مبتلى بتخلف لا يحتاج إلى المزيد عليه!!