الشورى دعوة لتقويم تطبيق «ساهر»
من فرط زهوه وثقته بقصائده، قال جدنا أبو الطيب المتنبي عنها:
«أنام ملء جفوني عن شواردها
ويسهر الخلق جراها ويختصم»
ومن المؤكد أنه ما دار في خلده أن أحفاده في هذه البلاد سوف يسهرون لغير شوارد شعره وإنما لنظام مروري حديث وإن أصبح اسمه (ساهر).
فمنذ أن تم تطبيقه قيل الكثير حوله في السهر وآناء النهار, وكانت الشكوى عامة تطرقت إلى عدة مثالب .. مثل: الفجاءة في تطبيق هذا النظام دون أن تسبقه حملة توعوية بما سيكون عليه الحال أو عدم وضع لوحات إرشادية تنبه إلى وجود كاميرات (ساهر) في هذا الشارع أو ذاك وعند تلك الإشارة أو هاتيك، لكن معظم الشكوى انصب على قيمة المخالفة المرتفعة التكلفة بحدود 300 ريال تتم مضاعفتها عند التأخر عن سدادها شهراً من تاريخ حدوثها.
إن من المهم التنويه هنا إلى أن نظام (ساهر) كان له أثر إيجابي واضح فيما يتعلق بتخفيض نسبة الحوادث المرورية وكذلك التقليل من التهور في مخالفة أنظمة المرور سواء في السرعة أو تجاوز الإشارات أو ما شابه ذلك، غير أن هذه الإيجابية كان بالإمكان تحقيقها بالغرامة المادية المعقولة وليس هذا المبلغ المرتفع الذي لا يتسق مع الهدف من التغريم وهو المجازاة بقصد ضبط سلوك القيادة داخل المدن والحد من الحوادث وتداعياتها من الخسائر في الأرواح والممتلكات.
من هنا .. ووضعاً في الاعتبار موقف الجمهور في عدم الرضا العام عن المقدار الكبير لقيمة المخالفة وعن آلية مضاعفتها، يبدو أن الوضع أصبح يحتم إعادة النظر في ذلك، وقد يكون مجلس الشورى الساحة المثلى لدراسة هذه القضية، خصوصاً أن جميع أعضائه عايشوا ويعايشون ما يدور من حديث لا يكاد ينقطع في المجالس أو ما ينشر في الصحف وفي وسائل الإعلام الأخرى والإنترنت, وكلها مجمعة على أن الهدف جيد والغاية نبيلة إنما التطبيق أهدر الهدف والغاية لأنه ألحق أضراراً مادية في دخول البعض وأوقع بعضا آخر في الحرج، بل أحدث وقيعة (غير مقصودة طبعاً) بين السائقين ومكفوليهم, فليس بالإمكان حسم المبالغ من أجورهم لأن السائق حينذاك سوف يرمي بالمفتاح وعلى رب الأسرة أن يتدبر الأمر .. (وهيهات!!).
إن دول العالم تضع غرامات على المخالفات المرورية بأنواعها وليس السرعة فحسب، غير أن هذه الغرامات تتدرج من الغرامات الرمزية بقليل من المال إلى الأكبر فالأكبر طبقا لطبيعة المخالفة وعددها أو تكرارها، ثم إنها غرامات لا تتضاعف اعتباطاً ولكن تخضع إلى نسبة تزاد فيها كلما تأخر سدادها فضلاً عن أن من تقع عليه المخالفة محصن بمحكمة مرورية له الحق في الاعتراض عندها مع محام يدافع عنه أمامها توفره له المحكمة نفسها لكن عليه في حالة بطلان دعواه الخضوع أيضاً لما تقرره المحكمة من غرامة مالية أو عقوبة أخرى عليه الامتثال لها دون اعتراض.
إن التقرير بأن من يحصل على مخالفة بـ 300 ريال فتصبح بالتأخر عن السداد 600 ريال أو ثلاث مخالفات لتصبح 1800 ريال منطق يجعل الغرامة في هذه الحالة هي الهدف فيما الأساس من فرضها قرع جرس إنذار القانون تأمين السلامة في الطريق ولقائد المركبة وجعل حركة المرور في المدن يسيرة سلسة لا تؤثر في مواعيد الأعمال ولا إنجاز شؤون الناس بمختلف اهتماماتهم، الأمر الذي يستدعي ضرورة إعادة النظر في مقدار الغرامة لكي تحقق هدفها من ناحية ولكيلا تشكل أعباء مالية على القادرين فما بالنا بمحدودي الدخل وهم الأكثر استخداماً للطريق، حيث مهنهم في الغالب تتطلب ذلك .. فهل لمجلس الشورى الموقر أن يبادر إلى تقويم تطبيق (ساهر) ووضع معايير جديدة لأقيام المخالفات ونسبة غرامات التأخير وكيف يتم التعامل مع من له دعوى على غرامة ملتبس أمرها عندها لن يسهر القوم جراها ويختصم.