الصياغة التنظيمية للوائح التنفيذية المنهاج ــ الوسائل ــ الثمرة العملية

تعد الصياغة التنظيمية الأداة الفاعلة لاستقرار مفاهيم الأنظمة في معاني موادها المختزنة فيها وما يدخل فيها وما يخرج منها, ولذلك يحصل كثير من الإشكالات التنظيمية، نجد آثارها في أروقة القضاء والمؤسسات التشريعية لأن المعنى النظامي فيها لا يكون حاسم الدلالة إما لغموض في الدلالة النصية ـــ وهذا قليل ـــ وإما لوجود احتمالات تفسيرية يخضع لها النص, وهذا كثير, وبين هذا وذاك تظهر بعض المواد النظامية التي توحي بالتضاد أو التناقض سواء كان ذلك كلياً أو جزئيا, ولذلك يعمد المنظم أو الجهات التشريعية إلى وضع لوائح تفسيرية للنظام, وقريبا من ذلك وضع آلية تنفيذية مثلما حصل في نظام القضاء وديوان المظالم الصادر بالمرسوم الملكي رقم 78/ م وتاريخ 19/9/ 1428هـ, وتأتي صياغة اللوائح التنفيذية في النظم على ثلاثة مناهج، على النحو الآتي:
المنهج الأول: إن اللائحة التنفيذية لا تقتصر على تفصيل المبادئ الواردة في صلب النظام، إنما لها أن تضيف أحكاماً جديدة نواتها في صلب النظام، ولو كانت علاقة تلك الأحكام الجديدة والمضافة ضعيفة مع نصوص النظام، ويكفي أن تكون محققة لمصلحة معتد بها عُهد من النظام مراعاتها، فإذا اتفقت الأحكام المضافة مع أصل النظام صراحة أو ضمناً كان ذلك حاملاً على تقريرها.
على أن ما يضاف من أحكام جديدة يجب ألا يكون محظوراً على اللائحة الخوض فيه، وألا يتعارض مع أصل النظام، وألا يتضمن تعديلاً له أو تعطيلاً.
وهذا المنهج يفتح للجهة التنفيذية التي تتولى إصدار اللوائح التنفيذية باباً لمعالجة المشكلات العملية التي تواجهها الجهة الأصلية المناط بها إعداد اللائحة.
المنهج الثاني: إن اللائحة التنفيذية يجب أن تقتصر على تفصيل ما جاء به النظام وتكملته، ولا تضيف جديداً، فلا تتعرض لحكم مسألة سكت عنها النظام، إنما تقتصر اللائحة التنفيذية على تقرير الأحكام التفصيلية للمبادئ الواردة في النظام اللازمة لنفاذه دون أن تضيف جديدا، فليس للائحة التنفيذية وفق هذا المنهج الابتداء بتقرير قواعد وأحكام جديدة حتى لو كانت هذه القواعد لازمة لنفاذ النظام ومحققة لأهدافه، ومثل هذه الإضافات لو وجدت حسب هذا المنهج لعدت تعديلاً وتعطيلاً للنظام، وبالتالي تكون غير مشروعة.
ولا يشمل المنع ما كان تفسيراً لا يخرج عن أصل النظام ومنهج التفسير الصحيح، ولا تحديد الإجراءات والوسائل العملية لتنفيذ النظام والشروط والقيود الواردة على الأحكام التي شملها النظام أو تلزم لتطبيقه.
المنهج الثالث: وهو المنهج المختلط بالجمع بين المنهجين السابقين، وله حالتان:
الحالة الأولى: عند الإذن بإصدار اللائحة التنفيذية من الجهة المختصة التي صدر منها النظام:
ففي هذه الحال يؤخذ بالمنهج الأول من التوسع في إصدار اللوائح التنفيذية لتشمل تقرير أحكام جديدة تحقق أهداف النظام وغايته ولو كانت علاقتها بنصوصه الأصلية ضعيفة.
الحال الثانية: أن تصدر اللائحة التنفيذية من الجهة التنفيذية المختصة ابتداء دون الإذن لها من الجهة المختصة التي صدر منها النظام بذلك.
ففي هذه الحال يؤخذ بالمنهج الثاني، فيجب أن تتمسك اللائحة التنفيذية بالمنهج ؟؟؟ المضيق؟؟؟ في اللوائح التنفيذية، فلا تضيف جديداً لم يتعرض له أصل النظام.
ومن الناحية العملية وبعد الوقوف على مناهج النظم في نطاق اللوائح التنفيذية مما سبق ذكره يظهر تفوق المنهج الأول المبني على أن للائحة التنفيذية أن تضيف أحكاماً جديدة نواتها في صلب النظام ولو كانت علاقة تلك الأحكام الجديدة المضافة ضعيفة مع نصوص النظام ما دامت محققة لمصلحة معتد بها، عُهد في الشرع اعتبارها وليس فيها ما يتعارض مع الشرع وأصل النظام.
ومعلوم لدى القارئ الكريم أن الغاية من الأنظمة هي تنظيم العمل بين الناس وبين الأفراد والمواطنين, وهي ذات الغاية المتوخاة من القضاء, التي ترتكز إلى فض المنازعات والخصومات الواقعة بين الناس, فالأنظمة تعالج الأمور قبل دخولها في معترك الخصومات, وهي بذلك من الوسائل الوقائية التي تنظم حياة الناس بيسر وسهولة، فالموضوع ليس بالسهل من الناحية العملية, ولذلك ينبغي على جهات الاختصاص الاعتناء بصياغة اللوائح التنفيذية، وقبل ذلك الأنظمة وتحديد المعاني المتغيّاة من النص النظامي ومن ثم معالجة طريقة شمولية النص النظامي لتلك المعاني قدر الإمكان حتى تكون الدلالة واضحة ومحددة, كما أن إشراك عدة جهات ترتبط بالنظام أو اللائحة من الناحية التنفيذية يعطي بعداً أكبر من حيث معرفة كل الإجراءات العملية في تطبيق النظام وكيفية إعادة هندسة العمليات من خلال اللائحة المقترحة.
وقد يتساءل البعض في ختام المقال: ما الفائدة من اللوائح التنفيذية ما دام هناك نظام في الأساس يعالج كل المسائل التشريعية في موضوعه المحدد له؟ والإجابة عن هذا السؤال قد تطول, لكن يمكن الاقتصار على فائدة واحدة, وهي أن النصوص النظامية لها معان تحتاج إلى تفسير مثل نصوص القرآن والسنة وقد تتضح الدلالة المبينة, وقد تحتاج إلى تفصيل أو تقييد وغير ذلك مما هو معلوم في دلالات الألفاظ, ومع اختلاف التفكير وسعة المعرفة والخبرة قد يتباين الاجتهاد فتأتي اللائحة التنفيذية كوسيلة من وسائل ترشيد الاجتهاد وتحجيم الاختلاف, وتقريب وجهات النظر, وهذه ميزة في حد ذاتها، فكيف إذا كانت هناك مميزات أخرى.
أتمنى لكم التوفيق والسداد والحياة الهادئة المطمئنة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي