الرأسمال البشري ليس أهزوجة
الولايات المتحدة، روسيا، الصين، الهند، دول أوروبا، الشرق الآسيوي، لكل منها ثروته الطبيعية التي تشكل عصب اقتصادها، غير أن أي دولة مهما كان حجم ثروتها هائلا كأمريكا أو قليلاً كاليابان لا يشكل لها ذلك ضمانة للتقدم وحيازة مستوى حضاري قوي ما لم يكن لديها القدرة على استغلال أهم الثروات وأغلاها وهو الرأسمال البشري .. المصطلح الذي ولد على يد عالم الاقتصاد التربوي شولتز عام 1961.
نحن في السعودية لدينا ثروة طبيعية هائلة في النفط والغاز والمعادن وجهت الدولة مخرجاتها لتغيير شكل الحياة على هذه الأرض وإنجاز معمار تنموي في القطاعات كافة وفي جميع المناطق، فتحولت هذه البيد والواحات والقرى والبلدات إلى نسيج دولة ناقلة شعباً من شحيح الرزق والعلم إلى الازدهار الراهن.
غير أنه، في طور انتقال العالم المتقدم من حضارة الأرض إلى حضارة الفضاء، ومن الصناعات المحسوسة إلى المتناهية الصغر ومن الاقتصاد الريعي والبسيط إلى الاقتصاد المركب المنتج، فإن هذه التنمية تستدعي اليوم الاستثمار في هذا التغير المثير، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالإنسان، ليس العامل المنتج فحسب، وإنما الفائق النوعية الذي كرست له الدول المتقدمة مناهج ذكية وتأهيلاً خارق العلمية، لإدراكها واعترافها صراحة أن تعليمها الراهن لم يعد قادراً على تحقيق المهمات الجديدة التي لم تكن لتخطر على بال حتى رواد منتصف القرن الماضي. لذلك كرسوا أدوات ومعارف وأكاديميات ومراكز وحواضن وبيئات عمل وإنفاقا هائلا يكفل استدراج هذا المستقبل على وجه السرعة بدقة وحرص شديدين.
كان الجهد والرعاية مقصورين في الأساس على القوى الوطنية بالذات وحمايتها من مسارب الإحباط والتقاعس سواء بسبب عدم جاذبية نوعية التعليم والتأهيل وبيئتهما أو بسبب مزاحمة قوى وافدة، ما جعل من شروط البقاء في تلك الدول ضرورة امتلاك الوافد مهارة أو علما لا يتوافر فيها أو أنها تعاني ندرة فيهما .. وبالتالي بات الولوج من بوابات وحدود تلك الدول للعمل أشبه بالنفاذ من ثقب الإبرة.
نحن هنا، قاربنا الرأسمال البشري الوطني من باب الإلحاح على ضرورة تطوير مناهج التعليم والتدريب، كما قاربناه من باب إهدار قوة العمل الوطنية في خضم منافسة عمالة وافدة تقارب عشرة ملايين وافد وبطالة متزايدة وسعودة تراوح مكانها وتعثر في المواءمة بين مخرجات التعليم واحتياجات التنمية.. ذهبنا في التنظير بشأن الحل مذاهب شتى في المقالات والندوات والبحوث، غير أن الحديث بدا عنها وحولها أشبه بالحفرة كلما زدنا فيها اتسعت دون أن نتفق أو نتوافق على استراتيجية واقعية لا إفراط فيها ولا تفريط.
الشيء الأكيد أن لدينا قوى وطنية مسلحة بالمهارة والعلم، لكن المؤكد أيضاً أن ثمة مجالات ليس بالإمكان إحلال مواطنين فيها لأنها تنتمي إلى عالم صناعي أو تقني أو علمي ليس لدينا بعد بنيته الأساسية المعقدة وبالتالي فنحن بحاجة إلى المزيد من هذه القوى غير الوطنية، على ألا يكون هذا "المزيد" وسادة نغفو عليها عن استنباتهم وطنيا.
أما هذا السواد العام من العمالة المتدنية المهارة أو عديمتها، فمن دون حد أدنى للأجور، ومن دون سياسة صارمة سديدة في توجيه رصيد صندوق الموارد البشرية، ومن دون إخضاع العمالة المنزلية لنظام الشركات – وكلها قواسم مشتركة قال بها كثيرون – فإن رقم العمالة الوافدة سيظل ينتفخ طالما معدل النمو السكاني مرتفع، وطالما أن من يفتح "كشكاً" بتصريح يضع وافداً أو أكثر مكانه!!
إن الرأسمال البشري الذي هرولنا حوله كثيراً وطويلاً ليس نشيد إنشاد ولا أهزوجة عذبة تتحقق بالتنظير والأمنيات وإنما تتحقق فقط في أوج السباق العملي.. ومع أن مضمار هذا السباق على الأرض إلا أن مكمنه في العقول والسواعد، وقبل كل شيء في فلك الضمير الوطني أولاً وأخيراً.