ساحة لرمي الذكريات الأليمة لعام 2010
في ساحة تايم سكوار في نيويورك يحتفل الأمريكيون بمقدم العام الجديد بطريقة خاصة جدا؛ إذ تنصب سلة مهملات عملاقة يلقي فيها أناس كثيرون أوراقهم التي كتبوا عليها ذكرياتهم الأليمة مما مر عليهم خلال السنة الماضية، فيهدفون بحركتهم هذه إلى طي صفحة العام الماضي ورمي مخلفاته وراء ظهورهم، ويسمون يومهم هذا Riddance Day، وهو يوم للتخلص أساسا من عوالق الماضي.
إن الميزة الأساس لهذا العمل كونه يفتح نافذة أكثر إشراقا على المستقبل، ويستشرف عاما أحسن من سابقه، ويبرز إيمان المشاركين فيه بالتغيير وإمكانية التحول نحو الأفضل.
ولعل الأمريكيين على وعي باحتياجهم اليوم إلى نسيان الذكريات الحزينة، فالأزمة الاقتصادية الضاربة أطنابها في الجسد الأمريكي، وجراحات العديد من العائلات جراء المغامرات المتكررة للجيش الأمريكي في بؤر مثل العراق وأفغانستان، هي بالتأكيد مخلفات يرغب كل أمريكي في نسيانها ورميها في سلة مهملات، وإن كانت استعراضية في وسط مدينة نيويورك.
في عالمنا العربي لا توجد ساحة واحدة مثل تايم سكوار، ولربما حتى في شكلها، ولا وجود لسلة مهملات نستطيع رمي ذكرياتنا السيئة فيها، ربما لأن الجرح العربي متعدد، ولا يكاد ينقضي يوم دون أن يسجل العرب في دفاتر أيامهم جروحا جديدة.
عام 2010 العربي، كان عام التفتيت والتشرذم بامتياز، فما كاد ينتهي حتى كان السودان قد صار في حكم المنشطر بين الشمال والجنوب، فيما يشهد اليمن ''حراكا'' متصاعدا لعودة حالة ما قبل الوحدة، وشهد العراق ترسيم الطائفية وخطى حثيثة لأطراف عدة نحو فرض ''الفدرلة'' على الأرض وتقسيم ما تحتها من خيرات باطنية، أما في فلسطين وما أدراك ما فلسطين؛ فقد تحول الانقسام إلى قاعدة وبدا كأن فرص المصالحة تتراجع كلما تقدمت إلى الأمام.
في عام 2010 العربي، عادت لغة الفتنة بين السنة والشيعة إلى الواجهة، وأرخت بظلالها على بلدان عدة، في مقدمتها لبنان وبعض البلدان الأخرى، كما تأكد مجددا أن الكرامة العربية تستجدي يدا من خارج رحمها كي تقدم لها المساندة، فكانت إيران أكثر الخائضين في كل الزوابع التي عرفتها المنطقة، وهو خوض طبيعي بالنظر إلى أنها دولة آخذة بمنطق القوة والمنعة، ومتمكنة من قرار محيطها الإقليمي، وتلتها تركيا التي دخلت على الخط المركزي منذ أحداث غزة الدامية، فشدها الحنين إلى ريادة يتعذر أن تحققها في محيطها الأوروبي. وزاد الطين العربي بلة غسيل الدبلوماسية الأمريكية المنشور على الإنترنت، حيث كان للعرب نصيب كبير من المشاهد في حفلة ''التعري'' العالمية التي أقامها موقع ''ويكيليكس''، وما زالت هذه الحفلة مستمرة.
وحالنا اليوم وحال أيضا كثير من العرب والمسلمين اليوم كقول القائل:
حدثت قومك حقبةً فتسمعوا
والآن دور حديثهم فتسمع
هجروا الكلام إلى الدموع لأنهم
وجدوا البلاغة كلها في الأدمع
حالنا في عامنا الماضي مليء بالتشرذم والانفصال العاطفي، سواء على المستوى العائلي أو الوظيفي أو المجتمعي أو الدولي.
في سالف العصر والأوان، كانت أيام العرب والمسلمين، كما يرويها لنا التاريخ، صولات وجولات من الحماسة والفروسية والبطولة، تركت لنا إرثا ضخما من الأدب والفن والحكمة الإنسانية لا يمكن تجاهله بأية حال.
ولذلك لم يكونوا في حاجة إلى ساحة في نهاية العام لحرق ذكرياتهم مع حرق الشموع أو رمي مواقفهم التاريخية مثل رمي الألعاب النارية، بل كانت ذكريات رائعة تسمو فيها معاني العزة والصدق والازدهار والتنمية وألقت بظلالها على من حولها أيضا مثل ما تفعل النافورة الراقصة في كل ساحات العالم المحتفل.
أما في أيامهم هذه، فيبدو أنهم في أشد الحاجة إلى سلة مهملات قد لا تسعها كل الساحات العربية، لنرمي فيها مجتمعين واقعا رديئا، في زمن لم يبق فيه من العربي إلا اسمه، ومن مشروع الوطن الكبير إلا رسمه.
وإيليا أبو ماضي يحكي أحواله وهي شبيهة بأحوالنا:
هجرت القوافي ما بنفسي ملالة
سواي، إذا اشتد الزمان ملول
ولكن عدَتني أن أقول حوادث
إذا نزلت بالطود كاد يزول
وبغضني الأشعار أن دعاتها
كثير وأن الصادقين قليل
فما أنا في هذي الحكاية شاعر
ولكن كما قال الرواة أقول
هوى مثلما يهوى إلى الأرض كوكب
كذاك الليالي بالأنام تدول
وكان له في الدهر بطش وصولةٌ
فأمست عليه الحادثات تصول
وكان له ألفا خليل وصاحب
فأعوزه عند البلاء خليل
تفرق عنه صحبه فكأنما
به مرض أعيا الأساة وبيل
فأصبح مثل الفلك في البحر ضائعاً
يميل مع الأمواج حيث تميل
يكاد يمد الكف لولا بقيةً
من الصبر في ذاك الرداء تجول
فإن القصور الشاهقات إذا خلت
من البر والإحسان فهي طلول