قطعت الهيئة قول كل خطيب

إن حجم الادعاءات والتزييف والغش والدجل كبير وكثير، ويجد له منافذ ومروِّجين تحت ستار العناية بالصحة البدنية والنفسية ومنح إكسير الشباب وإطالة العمر ومنح عنفوان الحيوية، مع الاحتفاظ بالجمال أو اكتسابه بهذه الطريقة أو تلك.
ومنذ أن انتشرت بين الناس صرعة الطب البديل أو الموازي تم استغلاله فتهافتت منتجات ومصنعات عقاقير عشبية وما شابهها من كل حدب وصوب بأسماء شركات ومصانع معروفة وأخرى وهمية وباتت الدعاية المكثفة في الصحف والنشرات تروج لها، خصوصا في القنوات الفضائية، التي تغزو كل بيت تبث فيه شعوذتها والبعض يصدق هذا الاتجار المستهتر بأرواح وعقول ونفسيات البشر، فيتقاطرون على تلك المنتجات المصنعة يشترونها من الصيدليات أو محال وجودها أو يتواصلون مع دكاكين الفضاء عبر الهاتف أو الإنترنت .. وكم أحدثت هذه المصنعات من أضرار وكوارث لمن تعاطاها، فضلاً عن إهدار المال فيما هو سم وخراب!
لعل آخر هذه الجنايات الموجعة ما أعلنته هيئة الغذاء والدواء في بيانها الذي بثته بتاريخ 13/1/1432 وحذرت فيه من أن مفتشي الهيئة سحبوا عددا من المستحضرات المسوقة في السوق المحلية من إنتاج ''مصنع زين الأتات'' في لبنان وإخضاعها للتحليل وتبين وجود عدد من الملاحظات على 38 مستحضرا مسوقا بادعاءات طبية لم يتم تقييمها للتأكد من سلامتها ومأمونيتها وفعاليتها لإجازتها من قبل الهيئة، وأن بعض هذه المنتجات تحوي مواد مسرطنة وأنواعا أخرى منها مغشوشة ونوعا ثالثا يحتوي على مركبات لا تدعم المزاعم العلاجية المكتوبة على المنتج، كما أن جميع هذه المنتجات غير مجازة من أية جهة رقابية معتبرة.
إن إقدام جهة تسويقية على القذف بهذا الكم من المنتجات السامة الدنيئة الصادرة عن مصنع واحد من دولة واحدة، مؤشر خطير على حجم الاستهداف والاستهتار الذي يحيق بسوقنا المحلية، وبما يعني دون أدنى شك أن ما خفي أعظم إذا ما وضعنا في الاعتبار العدد الكبير من أنواع الصادرات من مختلف دول العالم، ولا سيما أشدها تأثيرا وإضرارا بالإنسان: الغذاء والدواء، والتي أفتى مفتي عام المملكة بأنه عمل آثم محاكمته تقع ضمن مسؤولية الدولة، وعدّه الشيخ المطلق حراما يستوجب التعويض والتعزير. إنه لعمل رائع في صميم الغيرة الوطنية والإنسانية هذا الذي قامت به هيئة الغذاء والدواء وحسناً جداً فعلت بهذا التحذير والتشهير المبني على مبادرة عهدناها منها في النزول إلى الميدان وترجمة مهامها إلى قوى عاملة نوعية تمشي بقدمين، تفتح بصرها وبصيرتها وسمعها وتذهب بنفسها من خلالهم إلى حيث مكان التسويق ومنافذ التوزيع وإخضاع ما هو محل شك أو شكوى إلى التحقق العلمي لا اندفاعاً وراء الإشاعة الكيدية.هذا النهج من قبل هيئة الغذاء والدواء علاوة على كونه ترجمة لمهامها في الميدان نقدره ونثمنه كثيرا لها، وفي الوقت نفسه نتطلع إلى سريان عدواه الحميدة في مؤسسات وجهات مماثلة دورها يتعلق مباشرة بتوفير الضمانات الوقائية لصحة المواطن والمقيم وسلامة بيئة سوقنا المحلية مثل جمعية حماية حقوق المستهلك التي يبدو أنها تستهلك وقتها فيمن يرأس وفيمن لا يرأس وفي التثاؤب في انتظار أن يشق المستهلك جيبه أمامها لتنظر في أمر حمايته بينما ينبغي لها أن تكون داعما موازيا صارما في فعالياتها التطوعية الأهلية للدور المميز لهيئة الغذاء والدواء، وقل مثل ذلك فيما ينبغي أن تؤديه بقية الجهات المعنية بالصحة والتجارة والبلديات التي تملك الصلاحيات لكنها تتركها تتخثر بدوار الروتين وسين وسوف.
إننا نتطلع أن تبادر كل الجهات المعنية بأن تكون مهامها تمشي على قدمين ولا تكتفي بما يهطل عليها في فضاء المكتب.. فمن رأى ليس كمن سمع، ومن رأى وسمع ليس كمن عاين وتحقق وأشار بالبنان والعيان وقال قوله الفصل مثل جدتنا ''جهيزة'' التي قطعت قول كل خطيب، وهو ما فعلته هيئة الغذاء والدواء فقد قطعت قول كل خطيب بقطعها الطريق على الفساد والمفسدين وقامت بدور وطني إنساني جليل لصيانة السلم الاجتماعي في النفوس وفي الفلوس!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي