العيادات النفسية و أهمية انتشارها
مع بساطة الحياة في السابق كانت المشكلات أبسط بكثير من الوقت المعاصر، وكانت معاناة الإنسان في حياته تدور حول تحقيق أهداف قريبة المدى ربما لا تتجاوز في كثير من الأحيان الحاجات الأساسية للحياة كالمأكل والمشرب والسكن بل حتى تلك الأهداف كان الحصول على أقلها هو أمر مقنع بالنسبة للفرد. وبناء عليه فإن الجانب النفسي كان لا يشكل حيزا كبيرا يذكر بمعنى أنه ليس هناك ما يعرف بالمشكلات النفسية، وحتى إن وجدت فهي تعالج من خلال الترابط الاجتماعي بصورة بسيطة وتلقائية، وذلك كان عصب الراحة النفسية في السابق، فالفرد يستطيع أن يشكو حاله على أي من أقاربه أو أصدقائه، وكانت تلك الأوضاع تتواكب مع عديد من السمات الإنسانية الإيجابية كالنخوة والشهامة تلك التي كانت السند النفسي غير المقصود، الذي كان مفتاحا ناجحا لعديد من الأزمات. أما في الوقت الحالي، حيث كثير من الأسر المفككة وكثير من الروابط الهشة التي تعتمد فقط على التنافس الاجتماعي من حيث المظهر الأجوف في ظل غياب المفهوم الحقيقي للتقارب الاجتماعي، إضافة إلى صعوبة الحياة وكثرة الأهداف والمتطلبات التي تقع في الزمن المعاصر على عاتق الإنسان، فلم يعد يقنع كالسابق، ولم يعد يرض بالقليل. كل تلك العوامل مجتمعه هي سبب في انتشار الأمراض النفسية والمشكلات النفسية السلوكية دون أي قنوات مريحة للتنفيس. وفي ضوء تلك الظروف فإن وجود العيادات النفسية هي الحل الأمثل لتلافي الدخول في نفق المرض النفسي، فكثير من الناس لا يعرف كيف وأين تشكو مشكلاته، لأنهم ربما يفتقدون من يسمعهم وبالتالي هم يفتقدون أيضا من يقدم لهم خطوات الحلول الصحيحة لمشكلاتهم منذ بداياتها. وتتنوع تلك المشكلات من خلافات زوجية، وانخفاض في التحصيل، والتكيف مع الإعاقات والمشكلات المادية، ومختلف المشكلات الصحية. إذا فإن التوعية بالحلول المبكرة هو أمر غاية في الأهمية لحماية الفرد والأسرة وبالتالي المجتمع، ولذا فنحن في حاجة كبيرة إلى انتشار عدد أكبر من العيادات النفسية.
وليس من الضروري أن تعالج المرض النفسي، بل لتكن في البداية محورا للاستشارات النفسية، لذا أقترح أن يكون هناك إلزام بوجود عيادات نفسية في المستوصفات خاصة تلك الأهلية المنتشرة في كل مكان وفي كل بقعة. وكما أن التخصصات الطبية المختلفة مهمة، فإن وجود العيادة النفسية أمر يحمي الفرد من الوقوع في أخطار مثل الشعوذة والسحر، بل واللجوء إلى حلول غير علمية وغير منطقية قد تدمره، حيث تكون نفسيته في حالة ضعف الأمر الذي يجعله يستجيب لأي طريق سلبي اعتقادا منه بأن ذلك هو الحل. إذا فإن اشتراط وجود عيادات نفسية في المستوصفات من قبل وزارة الصحة يوجد البديل عن الهروب إلى الأماكن غير الصحيحة كما ذكرت كالمشعوذين وغيرهم.