أزمة عالمية أم غربية؟!

منذ الأزمة المالية التي ضربت الغرب وتحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية، والمعالجات الجارية بين التيسير الكمي للنقد أو التقشف تتضارب التكهنات حول أثرها في تحقيق انتعاش الاقتصاد العالمي وعدم انتعاشه.
وقبل فك الاشتباك بين طرفي هذه الأحجية ينبغي أن نتساءل: لماذا تم تسويق الأزمة على أساس أنها عالمية؟ هل كان الأمر مقصوداً للتخفف من عبء مسؤولية أمريكا وأوروبا الغربية عنها بالأساس، وذلك بإدماج العالم المتضرر بالتبعية منها واعتبار أن الكل مسؤول بالقدر نفسه؟ ألا يعني هذا المنحى تغطية للخلل المنهجي والفني في إدارة اقتصاداتها لكي تبقي على امتيازها في أنها لا تنتج إلا ما هو متقدم وشفاف ولا تعمل إلا وفقاً لذلك، وأن إدماج العالم على هذا النحو يبدد التركيز عليها كمصدر للأزمة فينقلها من كتفها إلى كتف كل دول العالم الأخرى وكأنها هي من يدير بنوك ومؤسسات الغرب المالية وشركاته الكبرى؟!
لقد أفلح الغرب في الإيهام بذلك، بل جعله حقيقة لمجرد أنه دفع للتداول تبريرات أزمة تم إنتاجها هناك، تماماً مثلما تم تكريس مسمى الحربين العالميتين، الأولى والثانية، بأنهما عالميتان فيما هما صدام دول غربية بالأساس واستدراج الدول المستعمرة بالتبعية، حيث تضررت وتضررت شعوبها وثرواتها منهما مع أنه لم يكن لأي من الدول المستعمرة أو المغلوبة على أمرها أدنى مسؤولية عنهما، بل لا ناقة لها أو جمل فيهما. وقل مثل ذلك في أزمة المناخ العالمي، فالغرب بالدرجة الأولى والقصوى هو السبب الأساس في تلويثه وحدوث الاحتباس الحراري وأمريكا ما زالت تماطل في الاستجابة للحلول. إنه الإدماج السلبي للعالم لإهدار دم الحقيقة بين المقترفين الحقيقيين والأبرياء الضحايا!!
هذه المقاربة في إقحام الأزمة إلى عقر دور العالم، تسمح بالضغط على الدول البريئة لكيلا تقف منها متفرجة وأن على كل دولة رمي أخشاب خلاص الغرب من الغرق، خصوصاً تلك الدول التي تملك أرصدة سيادية واقتصاداً قوياً وثروات طبيعية استراتيجية.
لذلك رأينا كيف هرول الغرب إلى توسيع منتدى الكبار فأصبح يُعرف بدول قمة العشرين، مستهدفاً استغلال عناصر قوة البلدان المستجدة لإخراجه من أزمته بحجة أنها عالمية، الأمر الذي لم ينطل على هذه الدول فصار لزاماً على الدول الكبرى السابقة المحتكرة لعضوية مجلسي إدارة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي أن تكسر احتكارها وتتيح للأعضاء الجدد أن يلعبوا أدوارهم في إدارة هاتين المؤسستين وفي توجيه سياساتهما وإقرار برامجهما، من خلال أدوات ورؤى قد لا تتفق مع الموقف الذي كانت تقوده أمريكا وأوروبا وهبت من ثقوبه بعض رياح الأزمة.
لتبقى إسهامات السياسات والأدوات والقرارات التي يتم تطبيقها من قبل حكومة الولايات المتحدة والحكومات الأوروبية، محل الامتحان، حيث السجال مازال يدور حولها متشعبا على الصعد كافة، لأن التطبيقات مست دخول الأفراد والإعانات والضمانات الصحية ومعاشات التقاعد، وأسفرت عن التسريح والبطالة وزيادة نفقات التعليم وعن احتجاجات وقلق عبرت عن نفسها في الشوارع وفي النقابات وفي المدارس والجامعات، ونشرات أخبار تضع جمهورها بين أمل شحيح وتشاؤم غامض، فالمحللون لا يكادون يستقرون على رأي وما عاد أحد يجرؤ على القطع بالانتعاش من عدمه .. فهل سيمثل الأعضاء الجدد في قمة العشرين بجانب اللجوء إلى الاستثمارات في العالم الثالث ترياقاً يشفي من هذه الأزمة الاقتصادية الغربية، التي تمت عولمتها لفظاً وأوجعت فعلاً من كان منها براء؟!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي