موجبات تغيُّر الفتوى (3 من 3)
تحدثنا عن أغلب الموجبات في تغير الفتوى التي تم استنتاجها من خلال استقراء التطبيقات الفقهية في مسائل الفروع، ونكملها:
5 ـ تغير المعلومات
ويقصد بتغير المعلومات ما يتعلق: بتغير المعلومات الشرعية، وتغير المعلومات الواقعية الحياتية، فمن تغير المعلومات الشرعية: أن يبني الفقيه أو المفتي حكمه أو فتواه على حديث معين، ثم يتبين له ضعفه، فتتغير فتواه تبعا لذلك. وقد يكون الأمر بالعكس، فقد يرى الحديث المروي في المسألة ضعيفا، ثم تثبت له صحته.
وقد لا يظن أن في الأمر حديثا قط، ثم يروى له الحديث متصلا عن الثقات، فيغير رأيه وفتواه بناءً على ذلك. كما كان يفعل أئمة السلف ـــ رضي الله عنهم؛ ولذلك رأينا أصحاب أبي حنيفة غيروا بعض فتاواهم لهذا السبب، فأبو يوسف ومحمد وزفر الذين عاشوا بعد أبي حنيفة غيروا كثيرا من الأحكام، وخالفوا إمامهم في نحو الثلث من المذهب أو أكثر، وكان من أسباب هذا التغير اختلاف الزمان أحيانا وتغير المعلومات أحيانا.
حين التقى أبو يوسف الإمام مالك في المدينة، وحدثه عن الصاع مثلا، هل هو خمسة أرطال وثلث أم ثمانية أرطال؟ واستعرضوا صيعان المدينة المتوارثة من عهد النبوة والصحابة، فلما رآها أبو يوسف غير رأيه. كما غير رأيه أيضا في الأوقاف وقال: لو رأى صاحبي ـــ أي أبو حنيفة ـــ ما رأيت لقال بما قلت، وهنا تغيرت الفتوى بتغير المعلومات.
وحين ذهب الإمام الشافعي إلى مصر وأنشأ مذهبه الجديد، متضمنا بعض الأحكام الجديدة المخالفة لرأيه القديم، اعتبر بعض الناس ذلك التغيير بسبب تغير البيئة، والحقيقة أنه ليس تغير البيئة وحده هو الذي حمله على ذلك. تغير البيئة من ضمن الأسباب، لكنه سمع في مصر ما لم يكن قد سمع ورأى ما لم يكن قد رأى، فهذه الأشياء التي سمعها من علماء مصر، وبلوغه سنا معينة نضج فيها فكره، دفعه لمراجعة اجتهاداته، فغير مذهبه وأسس مذهبه الجديد، ونقول اليوم: قال الشافعي في القديم، وقال الشافعي في الجديد. وأود أن أبين هنا: أن عصرنا قد أتاح لعالم الفقه أو للمتصدي للفتوى ما لم يتيسر لمن قبلنا، سواء في كمية المعلومات التي يستطيع أن يحصل عليها أو في سرعة وصول هذه المعلومات، وذلك عن طريق جهاز الحاسب الآلي ''الكمبيوتر'' فيستطيع العالم أو الباحث بلمسة في أحد أزرار هذا الجهاز أن يصل إلى معلومات هائلة، كثيرا ما تغير رأيه الذي بناه على معلوماته القديمة، خصوصا بعد ظهور الشبكة المعلوماتية ''الإنترنت''، بلمسة سريعة يعرف الباحث قيمة الحديث من ناحية الصحة والضعف، ويعرف أقوال العلماء.
وحققت كتب شتى بذل فيها العلماء جهدهم، فصححوا من الأحاديث ما كان معتبرا من الضعيف، وضعَّفوا ما كان معتبرا من الصحيح، وهذا كله يسهم في تغير المعلومات الشرعية لدى من يتعرض للإفتاء. ومن أمثلة تغير المعلومات عن الواقعة حكم التدخين، فأحيانا تتغير المعلومات غير الشرعية أيضا، بل المعلومات الواقعية، فعندما ظهر التبغ أو الدخان اختلف العلماء في حكمه، فهناك من كرهه، وهناك من حرمه، وهناك من أباحه، وهناك من قال تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة. لكن المعلومات الجديدة في عصرنا، التي أجمع فيها الأطباء على أن التدخين ضار بالصحة، وأنه يؤدي إلى سرطان الرئة، وإلى كذا وكذا من الأمراض، وأصبح هذا كالمعلوم بالضرورة لكل الناس، فتغيرت المعلومة، ويجب أن يتغير معها الحكم لقيام فتوى المفتي على تقرير الطبيب. والله تعالى يقول: ''ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما'' ـــ النساء: 29، والتدخين قتل للنفس، وهو من الضرر الداخل في قول النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ ''لا ضرر ولا ضرار'' رواه ابن ماجه وحسَّنه جماعة من العلماء.
ومن الأمثلة أيضا مدة الحمل، فقضية الحمل ومدته وخلاف العلماء في ذلك، فقيل: إن الحمل قد يبقى سنتين في بطن المرأة، كما هو مذهب الأحناف، ومنهم من قال: إنه يبقى خمس سنوات كما هو مذهب الإمام مالك، هذه القضية كانت المعلومات فيها ناقصة أو مغلوطة في الأزمان الماضية.
روى الدار قطني والبيهقي في سننه الكبرى عن الوليد بن مسلم قال: قلت لمالك ابن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: ''لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل''. فقال: سبحان الله، من يقول هذا؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان، امرأة صدق وزوجها رجل صدق وحملت ثلاثة أبطن في اثنتي عشرة سنة، تحمل في كل بطن أربع سنين''.
فلماذا قال الإمام مالك ـــ رضي الله عنه ـــ هذا الكلام؟
لقد بناه على قول المرأة وزوجها، هذا مع أن الله ـــ عز وجل ـــ يقول: ''وحمله وفصاله ثلاثون شهرا'' كيف يكون الحمل والفصال ثلاثين شهرا، ثم تحمل المرأة أربع أو خمس سنوات؟ أليس هذا يناقض القرآن؟
لكن المعلومات التي أتى بها الطب الحديث في زماننا حملت إلينا تفسير هذه الوقائع، فهي تدخل في إطار ما يعرف بـ ''الحمل الكاذب''، وما الحمل الكاذب؟ إنه يعني أن تتوهم المرأة أنها حامل لشوقها إلى الحمل وتعلقها به، وهو ما يوحي إليها بأنها حامل، فتحس بأعراض الحمل، وتحس بانتفاخ بطنها، أن فيها شيئا يتحرك، ويعتريها الغثيان وبقية أعراض الحمل، والحقيقة أنها ليست حاملا، ويمكن إثبات ذلك اليوم بأدوات التحليل المخبري، لكن لم يكن هناك في العصور السابقة من يعرف هذا، فتظل المرأة تشعر بأعراض الحمل سنة وسنتين وثلاث سنوات، إلى أن يشاء الله في أي لحظة أن تحمل هذه المرأة حملا حقيقيا، فتحسب المدة كلها على أنها كانت مدة حمل صادق للمرأة! ويمكن أن يأتي من يشهد بأنها كانت تتقيأ ويصيبها الغثيان وتشكو .. وولدت في النهاية!
هذه المعلومات تجعلنا نقول: إن أقوال الفقهاء في هذه القضية ليست راجحة، بل ليست مقبولة؛ لأنها تخالف حقائق العلم، فضلا عن مخالفتها لظاهر القرآن الكريم. ولهذا كان من الأسباب المهمة لتغير الفتوى في هذا العصر تغير المعلومات، وتأسيسا على ما سبق يمكن القول: إن الموجبات التي ذكرناها في المقالات تدخل في دائرة الأحكام الفقهية المتغيرة ويجب على المفتين مراعاة ذلك بما يحقق اعتبار المآلات ونتائج التصرفات وألا تكون هذه الموجبات المعتبرة ذريعة لهدم ثوابت قطعية الدلالة، ويجب إدراك معنى الثوابت وعدم توسيعه بمعنى المألوف؛ فالأحكام الثابتة القطعية شيء والأحكام المراعية للمألوف شيء آخر.