منظمة نجحت بحكمة محورها الأساسي
لعل من بديهيات التاريخ أن يكون هناك دائما مشككون في مصير التكتلات والمنظمات والاتحادات الكبرى الناجحة، فالمشككون موجودون في كل الأزمنة والأماكن. ربما يكون هذا شيئا من ''ضريبة'' التأسيس فقط، لأن أغلبية المشككين عادة ما يصمتون عند أول نقلة نوعية وجادة لهذا التكتل أو تلك المنظمة وهذه الاتحادات. فقد تم التشكيك ـــ على سبيل المثال ـــ في مصير الاتحاد الأوروبي في سنواته الأولى، عندما كان يحمل صفة ''اتحاد الحديد والصلب''، وحظي حلف شمال الأطلسي ''ناتو''، بالقدر نفسه من التشكيك، ونالت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ما يكفي من التشكيك، وبالزخم نفسه من هذا الأخير، تعرضت منظمة الأقطار المصدرة للنفط ''أوبك''، قبل 50 سنة. أعلن المشككون ــ وقتها ــ أن هذه المنظمة لن تستمر طويلاً، ولن تحقق أياً من أهدافها، في المدة الفاصلة بين تأسيسها وانهيارها! الذي حدث، أن ''أوبك'' لم تستمر فحسب، بل أقامت نظاما عالميا للإمدادات والتوازنات النفطية، لا ينحصر فقط في حجم الإمدادات، ولا في مستوى الاحتياطيات، بل أيضاً في الصناعة النفطية، التي شكلت منذ أكثر من نصف قرن، رافداً محورياً للاقتصاد العالمي، وقطاعاً لا يمكن أن يكون مستقراً ومزدهراً وواعداً، بمعزل عن ''أدبيات'' هذه المنظمة المحورية.
والحقيقة أن المنظمات الناجحة لا يمكن أن تكتسب هذه الصفة، إذا لم يكن في صلبها دول ناجحة تصنع القرار بحكمة واستدامة، لا بارتجالية وفوضى، وتحتوي المصاعب بجودة عالية، لا بمواقف عصبية، وتفهم ما سيكون، وليس فقط ما كان. وأظهر التاريخ كيف سقطت منظمات واتحادات وتكتلات، أو فقدت معناها، لأن آليات صنع القرار فيها كانت ارتجالية وفوضوية وعصبية. تحول بعضها فيما بعد إلى ما يشبه المسرحيات الطويلة المملة.
50 سنة من نجاح منظمة ''أوبك''، كانت خلالها المملكة ــ ولا تزال ــ المحور الأهم فيها. صنعت سياساتها ورسمت معالم آفاقها، بأعلى قدر من الحكمة والمرونة، ومعهما بُعد النظر. كانت تتدخل عندما كان العالم ''يضطرب'' نفطياً، وكانت كلمتها حاسمة في مواجهة أي مناوشات تظهر هنا أو هناك. كانت موجِهاً لمصالح هذه المنظمة و''زبائنها''، لأنها فهمت معايير السوق ومتطلبات المستهلكين والمصالح المشتركة. ولذلك، لم يشهد العالم على مدى 50 سنة نكسة أو هزة أو أزمة نفطية كبيرة، باستثناء فترة حرب تشرين الأول (أكتوبر) في عام 1973، عندما وجدت المملكة ومعها بقية الدول العربية المنتجة للنفط، أن الحق العربي الضائع في فلسطين وسورية ومصر، يجب أن يُسند بكل شيء. وكان النفط سنداً قوياً، اقتصادياً وسياسياً ومعنوياً. عندها وجدت المملكة، أن حق العرب لا يخضع لمعايير السوق ولا لمصالح المستهلك، ولا حتى للمصالح المشتركة، ولا يخضع بالتأكيد للحلول الوسط.
لقد برز نجاح ''أوبك''، ليس فقط في وقت الازدهار والاستقرار الاقتصادي العالمي، بل أيضاً وبصورة واضحة، في زمن المحن والأزمات الاقتصادية الكبرى. والأزمة العالمية التي انفجرت في عام 2008، كانت أكبر دليل على أهمية هذه المنظمة في استقرار أسعار النفط والحفاظ على الإمدادات اللازمة، واستيعاب حكيم لما جرى ويجري. وقبل هذا وذاك، ضمان مستقبل مزدهر ومستقر وآمن اقتصادياً للدول المنتجة لهذه المادة الحيوية. ووضعت معادلة يمكن أن نطرحها على الشكل التالي: مصالح الدول المنتجة + مصالح الدول المستهلكة = سياسة نفطية عادلة. كان من الصعب على ''أوبك'' أن تحقق الجودة المطلوبة في سياستها النفطية، لولا وجود كبار فيها، وفي مقدمتهم المملكة، يعرفون أن النجاح لا يتحقق إلا إذا كانت هناك رؤية بعيدة الأفق وحكمة توازيها، خصوصاً في عالم يبحث عن بوصلته الضائعة، ولم يجدها حتى الآن.