السعوديون وتهميش دانييل!

|
* أهلا بكم في ''مقتطفات الجمعة'' رقم 371، وقُـصِرَتْ على أسئلة الشهر. *** * لمّا اجتمع العربُ في مكة وصار علماءُ كل بلدٍ يرفعون علماءَهم ويقدمونهم، حتى جاء ذكرُهُ، فلم يبقَ أحدٌ إلا قال: ''الخليلُ'' أذكى العرب .. أوحاه سؤالان متشابهان: *** ـــ من أحمد الدوسري ـــ الرياض: ''من أعظم من أثر في علم اللغويات؟''. لا أجد من ينافس هذا العالِمَ ''الخليجي'' الخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي ولد في مطلع القرن الثاني الهجري في عُمان، أول من وضع اللغة في إطار وقانون، وهذبها لمعارج أرقى. لم نعرف شخصا في أي حضارةٍ أخرى سبقه إلى ذلك الابتكار الإبداعي. والخليل ليس فقط أول من وضع علم العروض، بل أول من ضبط اللغة بالحركات، وأول من وضع مُعجماً في العربية، وتتنقل في علم حضارات الإنسان، وفي تاريخ اللغة، ولا تجد حضارةً وضعتْ معجما للغتها قبل العرب .. قبل الخليل. ـــ من ''طالبة الماجستير'' في الأدب المقارن ـــ سيدني، تقول: كتبتَ في مقال: ''أن الرياضيات تتداخل في كل منحى من مناحي الحياة'' .. فكيف يكون للرياضيات دورٌ في الشعر الذي هو بعاطفةٍ خالصة؟''. أحب أن تعلم ''طالبة الماجستير'' أن الخليل بن أحمد لم يقتصر تفوقه على العلوم اللسانية، بل كان ذا دراية متعمقة وواسعة بالعلوم الرياضية، ومن يطلع على الطريقة التي وضع بها الخليلُ علمَ العروض في الشعر سيكتشف أثر العقلية الرياضية في ضبطها، ومنطقها المتناغم والمقسَّم .. *** * ومن صفاء بيطار ـــ بيروت، وتكتب بالإنجليزية، تتساءل: ''هل أنت من السعوديين المعروفين بتهميشهم للمرأة، وإلا كيف يمكن أن تغفل امرأة بحجم الكاتبة ''دانييل ستيل''، أهم كاتبات أمريكا، كل الكتب التي تحدثتَ عنها ذكورية .. هل تراها دون الكتاب الرجال؟''. وأقول لصفاء سأتجاوز تحديدها للسعوديين في تهميش المرأة، فليس هذا طبيعة النقاش هنا، وأقول إني كتبتُ في أكثر من مرة عن كاتباتٍ غربيات وغير غربيات، تكلمت عن أجاثا كريستي، وفرجينا وولف، وكاتبة رائعة اسمها كيلي كينج، وعن التشيلية إيزابيلا ألندي، وتطرقت حتى عن مُترجـماتٍ لكتـّاب كبار متبتلات في أدبهم، كمترجمة ''باموك'' التركي، و''معلوف'' اللبناني الفرنسي. على أي حال نعود لـ ''ستيل''، نعم هي من أشهر كاتبات العالم الآن، وقد تكون الأكثر مقروئية من كل الروائيين، قراؤها تجاوزوا الستمائة مليون، وهي مطبعة كتب متحركة (مثل زميلها ''ستيفن كنج''، ولم أستعرضه هنا، مع أنه رجل!) ونشرَتْ حتى الآن أكثر من مائة وعشرة كتب، وكلها روايات فيها الطابع الرومانسي، ولم أجد لها مناسبة هنا، وأعترف بأني لم أقرأ لها إلا كتباً قليلة، ولكن كتابها عن ابنها المتوفَّـى، الذي كان مصاباً بعلةٍ عقلية بعنوان: ''ضوؤُهُ البرّاق His Bright Light'' كان من أجمل ما قرأت، فقد كانت عاطفة حقيقية متدفقة، عاطفة أمٍّ تجيد التعبيرَ العاطفي .. وتعلم أديبتنا ''صفاء'' أن ''ستيل'' رغم إنتاجها الوفير، لم تحصل على أي جائزةٍ أدبية في بلادها، هل هذا يعني أن الأمريكان ـــ مثلنا؟! ـــ يهمِّشون المرأة؟! *** * ومن ''الفصيح بن الفصيح'': ''قل لي إن كنت فصيحاً ما هو العلم، وهل يقبل النقد؟''، يا لـَهُ من سؤال! (قد) أستطيع أن أثبت شيئا قليلا عن العلم يا فصيح، ولن أستطيع أن أثبت فصاحتي، فلسفة المنطق تقول: ''لا يمكنك إثبات وجود ما هو غير موجود!''. تنقلت وتغيرت الحياة الإنسانية بما فوق الإدراك بمئات من السنين قليلة جدا في العمر البشري. استؤصلتْ كثير من الأمراض الفتاكة، والرحلات التي كانت تستغرق سنين صارت تنقضي في ساعات، وحط الإنسان على القمر، وغزا الفضاء، وكشف أسرار البناء الفرعي للذرّة بالمادّة، كله يُنسَب للعلم، والذي هو، برأيي، توظيف الخيال الخلاق مع الذكاء الوقاد، مع الفرز المنطقي، مع تحليل كل موضوع إلى جزئياته، مع الملاحظة والتجربة والبحث والتطبيق، والتطوير. هل يُنتقد العلم؟ خطيرٌ جدا، وعقلي المحدود يقول لي إن لا شيء لا يقبل النقد، وترى كيف النقدَ الآن حول علم الجينات الوراثية .. ولكنه نقدٌ يعتمد على قوالب منطقية وقوانين محكومة، وليس نقداً مندلقاً يخوض فيه كل من يشاء، نقدٌ محصورٌ على نوادٍ من المتخصصين جدا. *** * وسؤال من ''المحتار الكوني'' من جيزان: ''بهذا الفضاء اللامتناهي، ألا يمكن أن تتكرر الأرض ونحن؟'' سؤال طالما وضعه علماء الرياضيات الاحتمالية، بل إنهم حللوه حتى إلكترونيا ووجدوا أنه بعد ملايين السنوات الضوئية يمكن نظريا أن يكون هناك كوكبٌ منسوخ عن الأرض بمخلوقاتها .. وملاحظة: عالم فضاءٍ في معهد ''كارنيجي'' بواشنطن، قال عن كوكب، تم رصده أخيرا لأول مرة، على بعد عشرين سنة ضوئية من الأرض (يعني رمية حصاة!) يبعد عن شمسه مقدار ما تبعد الأرض عن الشمس، وبذات الحجم .. قال إنه يحمل مؤهلات الحياة! في أمان الله ..
إنشرها