موجبات تغير الفتوى (1 من 3)
عنوان هذا المقال هو في الأصل عنوان كتاب لفضيلة الدكتور يوسف القرضاوي, وقد ضمنه عشرة موجبات لتغير الفتوى, وأغلب ما ذكره يتفق مع صحيح أقوال أهل العلم، وقليل منها قد لا يتفق معه في وجهة نظره. وكنت قد كتبت سابقاً عن تغير الفتوى وتأصيله ووعدت حينها ببحث موجبات تغير الفتوى, ولذلك نبدأ بها مستعينين بالله وفق ما يلي:
1 ـــ موجب تغير المكان
لا شك أن للبيئة المكانية تأثيرها في التفكير والسلوك، ومن هنا نرى أن البدو مختلف عن الحضر، والريف مختلف عن المدينة، والبلاد الحارة تختلف عن البلاد الباردة, والشرق مختلف عن الغرب, ودار السلام غير دار الحرب, وغير دار العهد. وكل مكان من هذه الأماكن له تأثيره في الحكم على خلاف مقابله, فلا يجمد العالم على فتوى واحدة, لا يغيرها ولا يتحول عنها, بل لا بد أن يراعي هذه الاختلافات والتغيرات التي ذكرناها, ليتحقق العدل الذي تريده الشريعة, والمصلحة التي تهدف إليها في كل أحكامها.
فمثلاً في البلاد الحارة والبلاد الباردة تختلف الفتوى باختلاف الحرارة والبرودة في المكان, فللمناخ تأثيره في أهله, ليس في جلودهم وألوانهم فحسب, لكن أيضاً في أمور أخرى, مثل: اختلاف حاجات هؤلاء عن حاجات أولئك, وكون أهل البلاد الحارة أخشن وأسرع إلى الغضب من أهل البلاد الباردة إلى غير ذلك.
ومن تأثير التغير المكاني: ما يتعلق بالبلاد التي يدوم فيها المطر طويلا, أو يتساقط فيها الثلج بكثافة, بحيث يشق على الناس أن يغادروا منازلهم إلا بحرج وصعوبة, وما جعل الله في هذا الدين من حرج.
فهنا يسقط عنهم وجوب صلاة الجماعة في المسجد لمن يقول بوجوبها, وقد جاءت الأحاديث بإجازة الجمع للمطر، وأجاز الفقهاء التيمم مع وجود الماء لمن خاف من شدة البرد ولم يمكنه تسخين الماء.
وقد صلى عمرو بن العاص ــ رضي الله عنه ــ في إحدى السرايا بأصحابه وهو جنب, مكتفياً بالتيمم, وعندما عادوا شكوه إلى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فسأله، فأخبره ــ صلى الله عليه وسلم ــ بأن الليلة كانت باردة شديدة البرودة، فذكرت قول الله تعالى: ''ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما'' ــ النساء: 29, فتبسم النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وهذا إقرار منه بما صنعه فهو من السنة التقريرية.
وفي بلاد الإسكيمو عند القطب الشمالي, لا يجد الناس ''صعيداً طيباً'' ــ النساء: 43, المائدة: 6, من جنس الأرض حين يحتاجون إلى التيمم، فكل ما حولهم ثلج في ثلج فليكن الثلج صعيدهم, إذا لا يملكون غيره، وهم هناك يستخدمون الكلاب لجر عرباتهم, فهي التي تحتمل هذا البرد الشديد, أفنحرم عليهم اقتناء الكلاب, وهي ضرورة لحياتهم ومعيشتهم أم نستثني هذه الحالة وأمثالها من النهي العام عن اقتناء الكلاب؟
لا شك في أن الاستثناء هو الاتجاه السليم, والفقه البصير في هذه القضية وهو أيضاً يتصل بمقاصد الشريعة, فهذه الكلاب لا تعقر ولا تخيف كبيرا ولا صغيرا ولا تؤذي أحدا, بل تخدم الإنسان, فأصبح شأنها شأن بهيمة الأغنام.
2- موجب تغير الزمان
تغير الزمان منصوص عليه أيضا عند العلماء من حيث تغير الفتوى, وليس المقصود بتغير الزمان الانتقال من سنة إلى أخرى, أو من عقد إلى آخر, أو من قرن إلى آخر, فليس هذا هو المؤثر, إنما المقصود تغير الإنسان بتغير الزمان, فهذا الزمن الذي نعيش فيه مختلف عن الزمان الذي عاش فيه من قبلنا, وتغيرت على الناس فيه أشياء, ولا بد للمفتي من أن يراعي تغير الزمان, وألا يثبت على أمر واحد.
فالناس إذا تغيرت أخلاقهم ينبغي أن تتغير الفتوى والأحكام لتتماشى مع هذا التغير, كما قال سيدنا عمر بن عبد العزيز: ''تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من فجور'', يعني أن حدوث فجور في الناس, يستوجب صدور أحكام تناسب وتعالج هذا الفجور.
فتغير الزمان أمر مهم, وهو ما جعل علماء الحنفية يقولون عن الخلاف بين أبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة وبين الإمام الأعظم مؤسس المذهب وقد خالفاه في نحو ثلث المذهب أو ثلثي المذهب كما قيل.. قالوا ''الاختلاف هنا اختلاف عصر وزمان'', وهو الذي جعل عمر بن عبد العزيز حينما كان واليا على المدينة يقبل القضاء بشهادة ويمين, أي بشهادة شاهد واحد ويمين الخصم, ولما كان في الشام رفض هذا, فقيل له: لقد كنت تقبل هذا في المدينة, فقال: إني وجدت الناس في الشام على غير ما عهدتهم عليه في المدينة، فعندما تغيرت أخلاق الناس تغير الحكم.
وقد قال العلامة الشيخ مصطفى الزرقا ــ رحمه الله ــ في كتابه القيم ''المدخل الفقهي العام'': قد يكون ''تغير الزمان'' الموجب لتبديل الأحكام الفقهية الاجتهادية: ناشئا عن فساد الأخلاق, وفقدان الورع, وضعف الوازع, كما يسمونه: فساد الزمان. وقد يكون ناشئا عن حدوث أوضاع تنظيمية, ووسائل مرفقية جديدة, من أوامر قانونية مصلحية, وترتيبات إدارية, وأساليب اقتصادية ونحو ذلك, وقد ضرب الشيخ أمثلة عديدة لهذا التغير بنوعيه, فليراجع.
ومن أمثلة ذلك تغير الحد في الخمر:
فمما تغيرت به الفتوى بتغير الزمن والحال عقوبة شارب الخمر, فإنها لم يكن فيها في زمن الرسول ـــ صلى الله عليه وسلم ـــ حد مقدر, إنما جرى الزجر فيها مجرى التعزير. روى البخاري عن عقبة بن الحارث ''أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بنعيمان أو ابن نعيمان, وهو سكران, فشق عليه, وأمر من في البيت أن يضربوه بالجريدة والنعال, وكنت فيمن ضربه''.
وروى أيضاً عن أبي هريرة قال: ''أتي النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ برجل قد شرب, قال: اضربوه. قال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده, والضارب بنعله, والضارب بثوبه, فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله! قال: لا تقولوا هكذا, لا تعينوا عليه الشيطان''. ولما انتهى الأمر إلى أبي بكر ــ رضي الله عنه ــ قرر العقوبة أربعين, على طريق النظر, كما قال الشاطبي, فقد روى البيهقي عن ابن عباس: أن الشراب كانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم في عهد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم هذا! فتوخى نحواً مما كانوا يضربون في عهد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ـــ فكان أبو بكر ــ رضي الله عنه ــ يجلدهم لأربعين حتى توفي.
وهذا يدل على أن تقديره للضرب في عهد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ تقدير تقريبي, كما جاء في حديث أنس: ''أن النبي ـــ صلى الله عليه وسلم ــ ضرب نحوا من أربعين'' وكلمة (نحوا) تدل على التقريب لا على التحديد. ثم تغيرت الفتوى في عهد عمر بن الخطاب ــ رضي الله عنه ــ عندما استشار الصحابة بعد تجرؤ الناس على شرب الخمر فقال له عبد الرحمن بن عوف (أخف الحدود ثمانون, فأمر به عمر), ولذلك يرى بعض العلماء أن الخمر لا حد فيها نتيجة لتغير الاجتهاد وفقاً للظروف الزمنية.. وهناك موجبات أخرى سنذكرها في المقال المقبل ــ بإذن الله.