أجهزة الرقابة الإدارية بين تنظيم العمل والازدواجية
تعتبر الأجهزة الرقابية سنداً أساسيا لنجاح العمل ولضمان حسن التنفيذ ،وتتنوع أجهزة الرقابة الإدارية إلى أجهزة لإجراءات استباقية وأجهزة لإجراءات علاجية لأخطاء حصلت أثناء التنفيذ ويعد القضاء الإداري مظلة عليا للرقابة الإدارية من خلال مراقبته للسلطة التقديرية والمواءمة بين القرارات الإدارية والواقع الفعلي لها.
ومع تزايد المطالبات بالفاعلية الإنتاجية للرقابة الإدارية يحسن بنا تمحيص اختصاصات الأجهزة الرقابية ولا شك أن هناك خلطا عند كثير من الناس بين اختصاصات ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق، وحتى بعض الموظفين في هذه الأجهزة تختلط عليهم هذه الاختصاصات، وهذا بسبب عدم الوضوح في الأداء التنفيذي والاستراتيجي وأيضاً غموض العمل الرقابي بشكل عام، إضافة إلى أمور تنظيمية وإدارية، وازدواج العمل الرقابي بين الديوان والهيئة، وخضوع الجهتين لرقابة بعضهما بعضا.
والواقع الفعلي يشهد متغيرات وتطورات كبيرة شهدتها المملكة والأحداث الكبيرة التي مرت بها مثل كارثة جدة وقبلها انهيار سوق الأسهم وغيرها من الأحداث... أثرت في الرؤية العامة للعمل الإداري بشكل عام وأدت إلى ازدواج العمل وتداخل المهام بين الهيئة والديوان إلى درجة تطابق الملاحظات والتقارير الصادرة عن الجهتين.
ومن أهم العوامل والأسباب التي أدت إلى هذا التداخل والاختلاط، ما يلي:
1) تضمنت اختصاصات هيئة الرقابة والتحقيق أن إدارة الرقابة الإدارية في الهيئة تختص وفقاً للمادة الثامنة من الباب الثاني من اللائحة الداخلية بمراقبة تفويض الصلاحيات والمسؤوليات وفقا للنظم المعتمدة واللوائح المقررة والقرارات الصادرة المنظمة لذلك، والكشف عن المخالفات الناتجة عن التقصير في الرقابة الداخلية في الوحدات الإدارية، واقتراح وسائل العلاج اللازمة في حالة وقوع حوادث الإهمال أو المخالفات الإدارية وإحالتها للجهات المختصة.
والاختصاصات السابقة للهيئة تدخل ضمن إطار تقييم أنظمة الرقابة الداخلية وهي من صميم الاختصاصات الرئيسية والرسمية لديوان المراقبة العامة أيضاً من خلال ممارسته رقابة الأداء، حيث تقتضي المعايير المهنية للديوان القيام بتقييم أنظمة الرقابة الداخلية للجهات التي يقوم بمراقبتها، ومن يقرأ اللائحة الموحدة لوحدات المراجعة الداخلية يكتشف ذلك.
ولا شك أن في ذلك تداخلا بين المهام والاختصاصات بين الهيئة والديوان، وبالتالي لا نستغرب ازدواج العمل الرقابي بينهما.
2) تضمنت المادة (16) من نظام ديوان المراقبة العامة النص التالي: ''في حال اكتشاف مخالفة، فللديوان أن يطلب تبعاً لأهمية المخالفة من الجهة التابع لها الموظف إجراء التحقيق اللازم ومعاقبته إدارياً أو أن يقوم الديوان بتحريك الدعوى العامة ضد الموظف المسؤول أمام الجهة المختصة بإجراء التأديب''.
وهذا ما تقوم به أيضاً هيئة الرقابة والتحقيق، حيث تقوم الهيئة حسب اختصاصاتها بإجراء الرقابة اللازمة للكشف عن المخالفات المالية والإدارية وفي حال اكتشاف مخالفات في إحدى الجهات الحكومية يتم إبلاغ وزير أو رئيس هذه الجهة بهذه المخالفات، حسب أهميتها، وذلك لاتخاذ اللازم نحوها، أو إجراء التحقيق المطلوب، وإحالتها للجهة المختصة في ديوان المظالم.
ولعلنا نكتفي بهذين المثالين على وجود ازدواجية في العمل الرقابي بين الجهازين والعوامل والأسباب التي أدت إلى تداخل مهام واختصاصات الديوان والهيئة، ولكن هناك تساؤل مهم يتبادر إلى الأذهان، وهو ما هو الدور الحقيقي والرئيسي لكل من ديوان المراقبة العامة وهيئة الرقابة والتحقيق؟
وللإجابة عن هذا التساؤل، يمكن القول إن ديوان المراقبة العامة يمارس نوعاً من الرقابة التي تسمى بالرقابة اللاحقة العلاجية (أي ما بعد التنفيذ)، حيث نصت المادة (7) من نظام الديوان على أنه: ''يختص الديوان بالرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة ومصروفاتها وكذلك مراقبة كافة أموال الدولة المنقولة والثابتة ومراقبة حسن استعمال هذه الأموال واستغلالها''، وعليه يمارس الديوان نوعين من الرقابة وهما الرقابة المالية ورقابة الأداء، ووفقاً لاختصاص الديوان فإن له صلاحية واسعة تتعلق بمراجعة التقارير المالية والإدارية للدولة ككل من خلال إضفاء الثقة والمصداقية على هذه التقارير، وهذه المراجعة تكون وفق معايير مهنية متعارف عليها دولياً، ومن هذه المعايير ما يتعلق بتقييم أنظمة الرقابة الداخلية في الجهات التي تخضع لرقابة الديوان، ومن خلال هذا التقييم ومن خلال المراجعة بشكل عام تتكشف مخالفات مالية وإدارية ،إضافة إلى كشف حالات الغش والفساد، وهنا ينشأ الدور الرئيسي لهيئة الرقابة والتحقيق حيث إن الهيئة تقوم برقابة لاحقة أيضاً ولكنها رقابة محدودة تتعلق بالتحقيق في المخالفات المالية والإدارية الذي يمثل الجوهر الأساسي لعمل الهيئة، والتي تسمى بالضبطية ، التي تهدف إلى اتخاذ إجراءات قانونية ونظامية عند اكتشاف المخالفات المالية أو الإدارية أو الجنائية، وذلك تمهيداً لمحاكمة مرتكبي هذه المخالفات في ديوان المظالم عن طرق الدوائر الجزائية والدوائر التأديبية حسب الاختصاص النوعي للدوائر.والجدير بالذكر أن في بعض الدول تكون اختصاصات الضبط القضائي للمخالفات المالية والإدارية من المهام الرئيسية لدواوين الرقابة والمحاسبة، وفي هذا الشأن أجد من الضروري التطرق إلى توصيات مجلس الشورى بخصوص نقل الرقابة المالية من اختصاصات الهيئة إلى ديوان المراقبة، وتوحيد مهمة هيئة التحقيق والادعاء العام في جميع الجرائم الجنائية مثل الرشوة والتزوير، لتكون مهمة هيئة الرقابة والتحقيق تتعلق فقط بإجراء الرقابة اللازمة للكشف عن المخالفات الإدارية! وذلك منعا للازدواجية بين أعمال أجهزة الرقابة والتحقيق المركزية بحسب اختصاصها.
وتأسيساً على ما تقدم أعتقد أن مجلس الشورى في توصيته بإعادة تنظيم هيئة الرقابة والتحقيق أغفل مبدأ الازدواجية في العمل الحاصل الآن وكان الأولى توحيد إجراءات المحاسبة والكشف عن المخالفات وإسنادها إلى جهة رقابية واحدة حتى تنتظم منظومة العمل الرقابي وفق اتجاه واحد ودعم ذلك الجهاز بكافة الأعمال المساندة سواء كانت القانونية أو الفنية.