في فقه معاني النصوص .. «الاعتناء بسياق الخطاب»

إن الإشكالات في تفسير النصوص والشرعية والأحداث التاريخية يأتي من اختلال مفاهيم أساسية في توجيه معنى النص وتجريده من الظروف المؤثرة فيه، وما يتبع ذلك من آثار وخيمة في فقه النصوص وعدم اتساقها مع الكليات الشرعية الأصلية وتوابعها, ومن أهم هذه المؤثرات ما تقرر عند علماء أصول الفقه ما يعرف بمصطلح ''سياق الخطاب''، فالعلم بأسلوب الشارع وعادته وطريقته في التعبير عن الأحكام الشرعية ومقاصدها ضروري جدا إذ التخاطب بين المتكلمين ما وضع إلا لقصد الفهم والتواصل والتفاعل بينهم, فالعلاقة بين المقاصد والخطاب الشرعي وطيدة جداً إذ هما توأمان لا ينفصمان, وسياق الخطاب جزء من المقاصد وهو وسيلة إلى إدراك وفهم النصوص بكامل أحداثها ومعانيها, ويقصد بسياق الكلام تتابعه وأسلوبه الذي يجري فيه، وأنه أفضل قرينة تدل على حقيقة معنى موافقته لما سيق له من القول واتفاقه مع المعنى العام، ومعلوم أن ربط الكلام بعضه مع بعض في أوله وآخره وسببه وغايته يشكل معنى أساسيا للمعنى الشمولي للنص المراد تفسيره، ويسهل على القارئ والمطلع إدراك القصد المراد منه واستيضاحه بشكل دقيق.
يقول الغزالي رحمه الله: ''يكون طريق الفهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة، ثم إن كان نصا لا يحتمل, كفى فيه معرفة اللغة, وإن تطرق إليه الاحتمال، فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ والقرينة إما لفظ مكشوف... وإما إحالة على دليل العقل... وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات, وسوابق ولواحق, لا تدخل تحت الحصر والتخمين يختص بدركها المشاهد لها فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة، أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس إلى آخر حتى توجب علما ضروريا بفهم المراد، أو توجب ظنا وكل ما ليس له عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن''.
ويتلخص من كلامه أن مراد الشارع أن يعرف بمجرد اللغة إن كان غير محتمل لمعنى آخر غير لغوي وإلا عرف ذلك بالقرائن المقالية أو العقلية أو الحالية.
وابن تيمية يرى أن أصح الطرق في تفسير القرآن أن يفسر القرآن بالقرآن، فما أجمل في مكان فإنه قد فسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بسط في موضع آخر ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين، هذا إضافة إلى معرفة نزول الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب وهذا ما التزمه ابن تيمية تماما في استقرائه العجيب الفذ عند تفسير القرآن والسنة والاستدلال بهما.
إذن من الضرورة بمكان أن يفسر كلام المتكلم بما يفهم كلامه بما لا يريده بكلامه ولا يقصده.
قال ابن تيمية : ''اللفظ إنما يدل إذا عرف لغة المتكلم التي بها من عادته وعرفه التي يعتادها في خطابه, ودلالة اللفظ على المعنى دلالة قصدية إرادية اختيارية فالمتكلم يريد دلالة اللفظ على المعنى فإذا اعتاد أن يعبر باللفظ عن المعنى كانت تلك لغته, ولهذا كل من كان له عناية بألفاظ الرسول ومراده بها عرف عادته في خطابه وتبين له من مراده ما لا يتبين لغيره''. انتهى كلامه رحمه الله.
ومن أهم الطرق لتحديد المعنى المراد من النص ما يلي:
1 ــ معرفة عادة الشارع في الخطاب وأسلوبه في التعبير والبيان وذلك باستقراء مختلف استعمالات الألفاظ ودلالتها على المعاني وتتبعها ومعرفة الوجوه والنظائر في كلامه.
2 ــ معرفة السياق الذي ورد فيه اللفظ حتى يمكن تحديد مراد الشارع وقصده وذلك بالنظر إلى القرائن المقالية والحالية. فمدلولات الألفاظ تختلف باختلاف الحال والزمان, فحال المتكلم والمخاطب لا بد من اعتبارها, إذ الكلام يختلف بحسب حالين ومخاطبين وزمانين وبيئتين, ولا بد كذلك من اعتبار القرائن المقالية المحتفة بالخطاب والمقام الذي ورد فيه.
ومع تعالي الأصوات التي تطالب بالنظر إلى المقاصد الشرعية وأهدافها تعظم الحاجة إلى دراسة هذا العلم دراسة وافية وتوظيف المقاصد الشرعية في فقه الواقع والترجيح بين المصالح والمفاسد, فالعلم بمضامين المقاصد الشرعية يعطي المجتهد تصورا عاما لأحكام الشريعة، فيبقى ينظر من خلال هذا المنظار ويتجه إليه في كل أقواله وأفعاله وهذا الاجتهاد المقاصدي محاط بسياج من الشروط والضوابط الشرعية والعلم بالمقصد في حالة ما, ولا شك أن سياق الخطاب وطريقة إيراده تشكل ركيزة أساسية في علم مقاصد المعاني, وما أوردناه ينسحب على النصوص النظامية والمعاني القانونية في نطاق أضيق من النصوص الشرعية, وكذلك الأحداث والوقائع، ويجب على المتفحص في تلك الأحوال ربط السياق التاريخي وطريقة إيراد الخطاب وسياقه بالمعنى المراد تأسيسه حتى يكون معنى متكاملا مراعيا للمالآت، ثم إن اعتبار سياق الخاطب يجعل الاستشهاد بالنص ومحله مترابطا من حيث المعنى والدلالة.
ومن أراد الاستزادة فليراجع كتب علماء أصول الفقه وعلماء المقاصد كالشاطبي وقبله ابن تيمية وابن القيم الجوزية وابن التلمساني, ومن الكتب المعاصرة كتاب (الخطاب الشرعي) لإدريس حمادي ففيه من التفاصيل والبيان الشيء الكثير.
نسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد في بداية الحياة العملية، ونقول لكم عام دراسي جديد مليء بالخير والبركات علينا وعليكم.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي