التنمية المُستدامة ووزارة الرقابة العامة!!

|
تناول موضوع الرقابة على الإنفاق العام وبتعقيداته يُعتبر من المواضيع الشائكة في العالم النامي، حيث يتطلب هذا النقاش مدى جدية المؤسسات الحكومية في القيام بدورها الرقابي بكل صرامة، ووفرة الإمكانات بما فيها الصلاحيات من أجل تحقيق الأهداف المنشودة ضمن الخطط الموضوعة. وحسب التعريف الشائع للرقابة في الأدبيات الإدارية فهي أداة إدارية تضمن سير الأعمال في الاتجاه الصحيح، وأن الإمكانات المادية والبشرية يتم استخدامها بطريقة تمكن الإدارة من الوصول إلى الأهداف المرسومة بكفاية وفعالية. وتدشين خطة التنمية الخمسية حديثا وبإنفاق يقارب 1,5 تريليون ريال يعكس الإدراك العميق لأهمية التخطيط في مجتمع نام مع اليقين التام بأن التخطيط هي الأداة الفعالة لتحقيق الأهداف الاقتصادية المرسومة. ولكي نصل إلى ما نصبو إليه، فلا بد من هندستها بشكل دقيق من خلال جهاز متخصص يضع باعتباراته جميع المُتغيرات الاقتصادية مع القيام بتنفيذها بشكل سليم من أجل خلق بيئة اقتصادية عملية تُحقق الأهداف المرجوة. فأهداف التنمية الاقتصادية في عصرنا الحاضر وبحالتنا الاقتصادية الراهنة واضحة، من أهمها تحقيق معدلات نمو حقيقية في الدخل الوطني وإعادة توزيعه بُغية محاربة الفقر، وخلق فرص عمل للمواطنين من خلال استثمار عائدات النفط من أجل خلق قاعدة إنتاجية متنوعة تضمن استمرار وديمومة التنمية بجميع أبعادها. وهذا الأمر لن يتحقق إلا من خلال عمليات التغيير البُنيوي لاقتصادنا الوطني ووضع السياسات الملائمة لعلاج حالات التردي الاقتصادي، وزيادة فاعلية القطاعات الاقتصادية الإنتاجية والخدمية. أي بمعنى آخر، من الواجب على جهاز التخطيط البحث عن العوامل الإيجابية لرفع معدلات نمو الدخل الوطني، وإعادة توزيعه، وإحداث تغييرات هيكلية من أجل تحقيق التنمية المُستدامة من خلال نماذج تنموية تطبيقية تأخذ باعتبارها أهمية التجارة الخارجية وضرورة الاستفادة القُصوى من الموارد الناضبة لتحقيق التنمية، مع تأكيد دور الدولة المحوري والمهم في تنفيذ هذه السياسات خاصة في وقتنا الحاضر، حيث غدا وجود الدولة أساسا لتحقيق ذلك. وضمن هذا المنظور، فإن التخطيط الجيد كذلك لا بد أن يأخذ في حسبانه إيجاد علاقات اقتصادية متناغمة مع درجة الوعي الحضاري والاجتماعي لأفراد المجتمع بأهمية التخطيط وبقيمة منتجاته، وليس عيباً الاستفادة القصوى من تجارب الغير من الدول النامية التي قطعت شوطاً كبيراً في تحقيق إنجازات تنموية غير مسبوقة كسنغافورة وماليزيا وخلافهما. ما من شك في أن تحقيق التقدم المادي هدف أساس ولذا علينا مُضاعفة الجهد والتطبيق الحازم والمدروس لخطط التنمية مع الأخذ في الاعتبار فعالية جهاز التخطيط وقدرته على رسم السياسات المناسبة والنابعة من واقعنا الاقتصادي والاجتماعي مع الاهتمام الشديد بمتابعة الإنجازات. وفي هذا السياق، فالمتتبع لخطط التنمية في المملكة لا يلحظ الفارق الكبير بين ما تم التخطيط له وما تم تنفيذه، وهذا في جوهره قد يعكس عدم جدية الخطط في أخذ المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية في حسبانها، فعلى سبيل المثال التعليم الجامعي ومدى مناسبته لسوق العمل، وكذلك التخطيط لاحتياجات سوق العمل الآنية والمستقبلية، حيث المُدخلات كبيرة بينما المخرجات لا تفي بحاجة سوق العمل، والنتيجة معدلات بطالة عالية في مجتمع ذي دخل عال تتوافر به فرص وظيفية تستوعب الملايين من العمالة الوافدة. من هذا المنطلق قد تصادف الخطط الموضوعة عدم قدرة واضعي الخطة على المتابعة وبالتالي تذهب الجهود المبذولة في مهب الريح. اليد الواحدة لاتُصفق، وعليه فإن تحقيق التنسيق التام بين الجهات التخطيطية والرقابية مطلب ضروري من أجل تحقيق التوازن بحيث يتم توجيه كل مورد وبشكل سليم إلى الفعالية الاقتصادية المُخصصة له. مثل هذا التنسيق سيُحقق هدفين رئيسيين الأول منهما التأكد من تنفيذ ماخُطط له فعلاً وبشكل دقيق وبذلك يتم تحجيم وتقليص الهدر المالي جراء التنفيذ الفعلي وعدم الازدواجية في المشاريع والثاني ديمومة المكتسبات الوطنية ورفع كفاءتها الإنتاجية والتشغيلية من خلال توجيه الموارد إلى القطاعات الفعلية، وهذا لا يتأتى إلا بوضع الخطط موضع التنفيذ الصحيح من خلال جهاز رقابي قادر على إحداث تغيير. تفعيل الاستراتيجية الوطنية لحماية النزاهة ومحاربة الفساد وديوان المراقبة العامة بشكل أكبر ودمجها في وزارة للرقابة العامة، ويكون دورها رقابيا محاسبيا، وتعمل على تعزيز ما تسعى إليه حماية النزاهة ومكافحة الفساد من خلال تحصين المجتمع السعودي بالقيم الدينية والأخلاقية والثقافية والتربوية وتوعية المواطن وتوجيهه للتحلي بالسلوك السليم، يضاف إلى ذلك توفير المناخ الصحي الملائم لنجاح خطط التنمية في جو من الحرية والعدالة والمساواة والتوزيع العادل للموارد الاقتصادية. هذا الدمج يلغي الازدواجية في الجهود والأهداف بحيث تعمل الوزارة على تحقيق ما ينشده ولاة الأمر وبفعالية من خلال تقييم رقابي سليم لما تم رسمه والتأكد من مطابقته لمعايير الإنفاق الصحيحة من خلال صلاحيات إدارية واسعة. بيد أنه تجدر الإشارة إلى أن قدرات الوزارة الرقابية ستتجه إلى المشاريع التنموية الحكومية الضخمة والمُدرجة ضمن الخطط الوطنية الخمسية خاصة ما يتعلق منها بخطط الوزارات السيادية وما في حكمها التي تستقطع حصة كبيرة من إنفاقات الدولة السنوية المتكررة، بينما ما يتعلق في المشاريع المحلية الصغيرة فيستطيع ديوان المراقبة العامة بخبراته وكمنظومة تابعة لوزارة الرقابة القيام بها بكل مهارة واحترافية. وضع الخطط دون متابعة مالية دقيقة لها سيؤدي في النهاية إلى فشلها وعودتنا للمربع الأول مع مزيد من الهدر.
إنشرها