تضارب إشارات تعافي الاقتصاد العالمي!!

|
شهدت الساحة الاقتصادية العالمية العامين الماضيين أزمة حقيقية واختبارا فعليا تجاوبت له أرجاؤها واهتزت له أركانها، فكانت من نتيجته وضع العديد من الضوابط والتشريعات التي تحد من زخم حصول أزمة حقيقية مماثلة في المستقبل المنظور، كان من نتيجتها كثرة الاجتماعات التشاورية الدولية، وزيادة الخطط التدخلية في الاقتصادات الحرة وغير الحرة، وغدا من يؤمن بمبدأ الحرية الاقتصادية ومحدودية تدخل الدولة يرى ما يراه الآخرون من ضرورة وجود خطط إنعاشية تعيد للاقتصادات روحها وتضعها في مسارها الصحيح. بل تجد من بدأ في تقليب طروحات السيد كينز ومن هم على شاكلته في الأفكار والرؤى، وهم من المتحمسين لدور الدولة القيادي في إنعاش الاقتصاد علهم يجدون وصفة سحرية تعيد للاقتصاد توازنه ودوره الطبيعي في التوظيف والإنتاج والتشغيل. المؤشرات الدولية الشهرية، الفصلية، والسنوية متضاربة فالبعض يرتفع، والآخر ينخفض والبقية تحافظ على مُستوياتها، فعلى سبيل المثال هبط مؤشر الإنتاج الصناعي لفرنسا وهي واحدة من كبريات دول المجموعة الأوروبية إلى 1.7 في المائة لشهر تموز (يوليو) الماضي، بينما معل البطالة للمجموعة الأوروبية في الربع الأول من هذا العام بقي على حاله وبحدود 10 في المائة، وكذلك الترويج لخطط إنعاشية قادمة للاقتصاد الأمريكي ومناقشتها داخل أروقة الإدارة الأمريكية ووضعها على قائمة أجندات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. بيد أن إصلاح المؤسسات المالية العالمية بات ضرورة مُلحة كصندوق النقد الدولي، البنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة التجارة العالمية، فهي بحاجة ماسة إلى دثار جديد يعيد لها دورها الحقيقي المؤسسي وبشكل فعال من خلال إيجاد آليات حقيقية تحقق العدالة وتراعي ظروف الدول النامية من ناحية كفاءة توجيه الموارد الاقتصادية والمالية وتطويرها، حيث يرى البعض أن من نتائج الأزمة المالية العالمية انتقال العالم من مجموعة الثماني إلى مجموعة العشرين والتي تُشكل حوالي 60 في المائة من إجمالي سكان العالم. توقعات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) للاقتصاد العالمي هي تعافيه بصورة أسرع مما هو مُتوقع بقيادة البلدان الآسيوية وعلى رأسها الصين، لكن هناك مخاطر تكتنف التعافي وهي الديون التي تنوء بحملها البلدان المتقدمة واحتمالات حصول التضخم في بلدان آسيوية وبالأخص الصين. توقعاتها أن يبلغ مجمل النمو العالمي 4,6في المائة لعام 2010م و4,5 في المائة للعام 2011م بينما توقعاتها للعام الماضي لم تكن بالصورة المتفائلة كما هي الحال هذا العام بسبب تداعيات الأزمة المالية العالمية. هذا التفاؤل مدفوع بوصول البطالة في منطقة اليورو والتي تتكون من 31 دولة، 8,5 في المائه وهو أقل من المتوقع 10 في المائة. من جانب آخر، توقعت المنظمة أن تحقق الولايات المتحدة الأمريكية نمواً إيجابياً مقداره 3,2 في المائه لهذا العام، بينما توقعاتها لليابان 3 في المائة لعام 2010م و2 في المائة للعام 2011م. التحدي الأكبر الذي يواجه الاقتصاد العالمي وبالذات الاقتصادات المتقدمة هو إمكانية خفض الدين العام والمحافظة على استقرار الأسواق المالية، وهذا بطبيعة الحال يتطلب إجراءات أكثر صرامة من السابق بما فيها تشديد السياسات النقدية في بلدان آسيوية مثل الصين والهند خشية حصول ضغوط تضخمية قد تترك أثراً على أسعار الأصول ومخاطر حدوث انهيارات اقتصادية. أما بالنسبة للتضخم في منطقة التعاون الاقتصادي والتنمية، فقد هبط إلى 1.5في المائة لشهر حزيران (يونيو) 2010م، وكذلك بالنسبة لتضخم الطاقة فقد هبط أيضاً إلى 4.7 في المائة شهر حزيران (يونيو) بالمقارنة بـ 11 في المائة لشهر أيار (مايو) من نفس العام. أما الولايات المتحدة فقد هبط التضخم فيها إلى 1.1 في المائة، وتضخم الطاقة إلى 3 في المائة لشهر حزيران (يونيو) من العام 2010م. وفي خضم هذا التضارب، بل والتجاذب في التقارير والتوقعات فمن المتوقع أن تكون لدينا خطط طوارئية لأزمة مالية ما، حتى لا نقع في مستنقع الخسائر المالية والتي بالكاد خرجنا منها. بل لابد من تضمين الخطة الخمسية القادمة التي بلغت ما يُقارب 1,5 ترليون ريال بنود طوارئية تقشفية (ضمن موازناتنا السنوية) يمكن من خلالها النكوص قليلاً في الإنفاق مع المحافظة على إنفاقنا على القطاعات الرئيسية كالتعليم والصحة في حالات مالية غير مُتوقعة لا قدر الله. من جانب آخر، التأكيد على دور أجهزتنا الاستثمارية المتنوعة بحيث تكون لديها القدرة على التنبؤ بالمتغيرات الاقتصادية الدولية ومتابعة المؤشرات المالية العالمية المتضاربة والتي بإمكان المراقب المتخصص قراءتها وتوقع حدوثها ومن ثم التصرف بشكل استباقي لمقاومة تداعياتها المُحتملة. كفاءة الأجهزة الاستثمارية لدينا محدودة وتعمل بطريقة نمطية تقليدية وغير إبداعية ،حيث تتطلب سرعة الإصلاح والتوجيه من خلال إعادة تشكيلها لتشمل أهل العلم والخبرة. لا شك أن الأحداث الاقتصادية المتسارعة أدت إلى نوع من عدم التوازن واليقين لكثير من الاقتصادات العالمية ومازالت، وباعتبار أننا جزء حقيقي من العالم لنا ما له وعلينا ما عليه وجب التنبه لما يحصل من متغيرات مفاجئة وإعداد ما يناسبها ردود أفعال واقعية وعملية وليست عاطفية. الأمر لم يعد إفلاس بنوك وعدم قدرة أفراد على سداد مستحقات مالية، إنما تعداها لإهلاك مُقدرات أمم ومدخراتها. ومع ذلك فسُحب الأزمة لم تنجل نهائياً ولذا منبع حرصنا يصب في مصلحة المحافظة على مكتسباتنا المالية، لأن القطاع المالي كالدورة الدموية للقطاعات الحقيقية.
إنشرها