الهدف ليس سوق أسهم فقط

|
هيئة سوق المال منذ تأسيسها وهي تعمل بجميع جهودها وطاقاتها على ترسيخ الاستثمار المؤسسي الوطني من خلال تنظيم سوق المال بحيث يعمل بطريقة فاعلة وكفؤة، والاستفادة القصوى من تجارب الدول المتقدمة، مع الأخذ بمقدار وبما يتناسب مع ظروفنا واحتياجاتنا المحلية. فتأسيس الأسواق المالية لتشمل الأسهم والسندات بأنواعها، سواء العامة أو الخاصة، وكذلك صناديق الاستثمار المتنوعة المُقفل منها والمفتوح، بالإضافة إلى بعض المعادن الثمينة كالذهب والبلاتين، لا شك بأنه يحقق فوائد عظيمة للاقتصاد الوطني. فعلى سبيل المثال عند الحاجة إلى التمويل، هناك فجوة زمنية بين تكوين المدخرات والاستثمار، بحيث يتطلب وجود سوق مالية، ولأن المدخرات تتراكم خلال فترات زمنية متفاوتة، بينما قرارات الاستثمار لا تحتمل التأجيل، وعليه فالسوق المالية توفق ما بين الادخار والاستثمار بحيث تحقق عائدا للمُدخر وللمستثمر، ناهيك عن الشفافية وما يتبعها من توافر للمعلومات، ما يساعد على سيادة سعر عادل للأوراق المالية، ويقلل من تكاليف جمع المدخرات. من المهم الإشارة إلى أن وجود الأسواق المالية يسهم في ترسيخ الفكر المؤسسي للقطاعات الإنتاجية، ما يدفعها إلى التطوير والابتكار، وبث روح الإبداع. لقد غدت أسواق رأس المال ضرورة مُلحة تحتمها الظروف الاقتصادية المحلية والدولية كونها مرآة تعكس تطور الأوضاع الاقتصادية العالمية ودرجة تطورها. ما يُثير العجب هو الإفراط في التشاؤم أو التفاؤل حيال هبوط الأسواق، وبالتحديد سوقنا المحلية (مؤشريا)، ما يُوحي بأن هناك خللاً في اقتصادنا الوطني!!. لا أشك بأن سياسة حكومتنا- أيدها الله- تجعل سوق الأسهم أقل جاذبية، أي ليس لكل الناس، وقد سعت وتسعى إلى تعميق السوق بشكل واضح، وذلك من أجل التخفيف من تقلباتها الحادة، التي عانت منها السوق, ومع عدم اتفاقنا مع بعض سياسات هيئة السوق المالية، التي منها عدم الإكثار من المؤسسات المالية الاستثمارية بما فيها الصناديق الاستثمارية الخاصة والصناديق التابعة للبنوك، إلا أنها بدت جادة في مراجعة سياساتها الحالية، ومعالجة أوجه القصور، وهذا يُحسب لها. فالمزاوجة ما بين التحديث والظروف والإمكانات من الأهمية بمكان بحيث تعطي التجارب أُكلها وتتحقق الأهداف المرسومة، ما يتبادر إلى الذهن هو اللهاث الشديد والصرخات المدوية، التي تطالب بعودة سوق الأسهم إلى ماضيها البائد كي تعيد إحراق الأخضر واليابس، وتقضي على البقية الباقية من المدخرات الوطنية، والتي تعمل المجتمعات على تنميتها بجميع الطرق والوسائل كونها الاستثمار الحقيقي، حيث من المُفترض توجيهها للقطاعات الإنتاجية التي تعمل على توليد الدخول والتوظيف. فالادخار هو الفرق ما بين الدخل والإنفاق خلال فترة معينة، وهذا يتفاوت بشكل جلي من أمة إلى أخرى، طبقا لمفهومها للادخار وأهميته الحيوية في تحقيق التنمية المستدامة، وحسب ظروفها الاقتصادية بما فيها الدخل، يُضاف لذلك ثقافة ووعي المجتمع بأهمية الادخار ودوره الحيوي في التنمية الاقتصادية. فالاعتقاد بأن الثروة دائمة دفع أبناء الوطن إلى الإفراط في الإنفاق على السلع الاستهلاكية وغير المنتجة، ما جعل النظرة الاجتماعية لانخفاضات أسعار النفط وإيرادات الدولة بأنها هزات مؤقتة، وستعود الأمور إلى سابق عهدها. ومن هذا المنطلق، فالسياسة التنموية التي يمكن للبلدان النامية اعتمادها هي الحرص وعلى جميع المستويات الاجتماعية والسياسية على دعم الادخار من أجل تتويج الجهود المبذولة لتحقيق التنمية، وفي نفس الوقت تهيئة الفرص الاستثمارية المُجزية، التي تساعد في النهاية على رفع المستوى العام للادخار، إلا أن الاستراتيجية المتبعة هي السعي الشديد إلى استقطاب شركات وطنية لطرح أسهمها في السوق المحلية، ما يرفع من أعداد الشركات المُدرجة لتتناسب مع الإمكانات الاقتصادية ومن ثم تشكيل سوق ناهضة، وبجميع أبعادها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. من الثابت أن السُبل الكفيلة بحل مشكلات السوق لا تتمثل فقط في إدراج أي شركة بقصد زيادة عديد الشركات، إنما هو التحقق من متانة الشركة وقوتها وقدرتها على التوظيف والإنتاج الذي سينعكس إيجاباً على الاستثمار في هذه الشركة، ومن بعد على الادخار. الحلول أمام الهيئة تبدو واضحة لكن مُقارعة الوقت والتريث في التطبيق سمة من سمات وحكمة قيادة هذا البلد. التركيز على استقرار السوق في الأجل القصير والمتوسط ضرورة حتمية، خاصةً في ظل التقلبات الاقتصادية الحادة، فاستقرار السوق يشمل التوازن ما بين العرض والطلب لأن الاختلال سيؤثر بلا شك في الأسعار، ما يحصل من اكتتابات جديدة هو إضافة إلى المعروض، ولا شك في أنه أصبح حاجة ماسة إلى توسيع قاعدة السوق وتعميقها، ما يجعل التقلبات في حدودها الدنيا. تشجيع الشركات الأجنبية من خلال تنظيم تراه الهيئة في إدراج أسهمها ضمن السوق السعودية غدا ضرورة اقتصادية لما تتمتع به المملكة من استقرار سياسي وانتعاش اقتصادي ملحوظ، مثل هذا التوجه سيدعم الهيئة في اختيار الشركات الوطنية ذات السمعة الجيدة والمكانة اللائقة لتكون ضمن من يُدرج، بالإضافة إلى أن حافز المنافسة سيدفع الشركات الوطنية إلى تحسين مستوياتها الإنتاجية والربحية. الهدف الوطني الأسمى ليس سوق أسهم فقط، إنما سوق مالية فاعلة بجميع مكوناتها كغيرها من الأسواق المالية العالمية تخدم الاقتصاد الوطني، وتُساعد على تنمية مقدراته. الإجراءات العلمية الواضحة والدقيقة في التعامل، تُؤطر لنموذج سوق فاعلة وواعدة تساهم في إنجاح عمليات الاستثمار، وتطوير السوق، وتخدم بشكل مباشر في تحركها للأمام بخطى ثابتة، وإذا ما أخذنا بالاعتبار عامل الوقت في إنجاز القوانين المؤسسية الهادفة لدعم السوق المالية وترسية قواعدها.
إنشرها