استراحات الطرق بين الجوهر والمظهر
كنت قد كتبت قبل أكثر من سنة مقالا عن استراحات الطرق, تناولت فيه حينها تصريح الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار، الذي ذكر فيه أن مشكلة استراحات الطرق ستجد طريقها للحل في غضون سنتين. وكنت قد آليت على نفسي أن أنتظر مرور هاتين السنتين قبل أن أجدد الحديث في هذا الموضوع، إلا أن الأخبار التي تناولتها الصحف في الآونة الأخيرة حول إطلاق الهوية الجديدة للشركة السعودية لخدمات السيارات والمعدات (ساسكو), أثارت لدي الرغبة الملحة في معاودة الكتابة في هذا الموضوع. وليست هذه الرغبة نابعة فقط من مجمل ما حملته تلك الأخبار من تعليقات وتصريحات متنوعة ومتناقضة، لكنها أيضا نابعة من أهمية الموضوع وحساسيته وحرجه، وما نشهده من استمرار التردي في واقع تلك الاستراحات. رغم مرور أكثر من سنة على تصريح الأمين العام للهيئة العامة للسياحة والآثار، دون أن نلاحظ أية بوادر حقيقية لمعالجة تلك المشكلة.
شركة ساسكو شركة مساهمة عامة تأسست عام 1982، أي منذ نحو 29 عاما, وتمتعت هذه الشركة لفترة ليست بالقصيرة بامتياز تطوير وإدارة مرافق محطات الوقود والاستراحات على الطرق بين مدن المملكة. وقياسا بعمر الشركة، فإنه من الواضح لعين الرائي, أن حجم إنجازات الشركة لم يرتق إلى تحقيق الحد الأدنى من طموحات المواطنين من المسافرين على هذه الطرق، ناهيك عن طموحات مساهمي الشركة ومؤسسيها, فالعدد المحدود من استراحات الطرق بين مدن المملكة التي أنشأتها وتديرها الشركة لا يمثل إلا نسبة محدودة من عدد المحطات والاستراحات القائمة على تلك الطرق. كما أن تلك المرافق لا تحقق الحد الأدنى من معايير الجودة مقارنة بمثيلاتها في بعض الدول المجاورة، ناهيك عن الدول الأخرى المتقدمة. هذا الحديث ليس جديدا على الإخوة القراء، ومعظمهم شهدوا بأعينهم هذا المستوى المتردي الذي أتحدث عنه في مستوى الخدمات والتجهيزات والنظافة, ليس فقط في محطات واستراحات شركة ساسكو, بل في كل المحطات والاستراحات على الطرق الممتدة بين مدن المملكة. لكن المشكلة هنا أننا نعقد مقارنة ظالمة بين شركة مساهمة عامة بلغت من العمر عتيا، ولها قصب السبق في التخصص في هذا المجال، وتملك الإمكانات المادية اللازمة لأداء دورها المأمول، ومجموعة من المؤسسات الفردية التي تمارس النشاط ذاته، بقدرات وإمكانات محدودة مقارنة بإمكانات الشركة، ويتم تشغيلها في معظم الأحيان بإمكانات تشغيلية ذاتية قاصرة المستوى وتفتقر إلى التخصص. والأنكأ هنا أننا نجد في كثير من الأحيان أن مرافق شركة ساسكو تتدنى في مستواها حتى عن مستويات بعض تلك المرافق الخاصة، التي استطاع بعضها أن يتفوق, ولو نسبيا, على تلك الشركة المتخصصة.
أتساءل هنا عن جدوى تغيير هوية الشركة في هذا الوقت بالذات، وهل يعبر هذا التغيير عن تغيير مماثل في توجهات الشركة بما يبرز عزمها على تغيير منهجها في التعاطي مع هذه القضية، أم أنه مجرد إجراء تجميلي أو تخديري يسكت المتسائلين والمتطلعين والمتعطشين، دون أي تغيير حقيقي على أرض الواقع؟ إن المستخدم لمرافق الشركة لا يعنيه بأي حال لون شعار الشركة أو شكله أو حتى رمزيته، مع أني أختلف مع هذا التغيير من الناحية الفنية، فرمز النخلة في الشعار القديم أوقع أثرا وأكثر تعبيرا من الشعار الجديد الذي لا يحمل أي رمزية فنية تعبر عن نشاط الشركة أو رسالتها. ما يعني المستخدم لهذه المرافق هو مستوى الخدمة فيها، وتوافر احتياجاته الأساسية، والارتقاء بمستوى النظافة، وتوافر غرف للنوم, ومطاعم ومقاه قابلة للاستخدام الآدمي، ومساجد أو مصليات تتمتع بما يستحقه اسم المسجد من احترام، ودورات مياه وأماكن للوضوء لا تفوح منها الروائح المشينة, ولا تنساب فيها المياه الآسنة بين أرجل مستخدميها، بما يجعل المستخدم يفضل أن يقضي حاجته في العراء على أن يستخدم مثل تلك الدورات القذرة. وفي رأيي، فإن تغيير هوية الشركة كان يجب أن يكون تاليا على الأقل لشيء من التغيير والتطوير على أرض الواقع ولو في واحدة من تلك الاستراحات التي تملكها وتديرها الشركة، علنا نصدق أن الشركة عازمة بحق على أداء دورها الذي رفعت رايته منذ ما يقارب العقود الثلاثة.
الأظرف هنا ما رأيته حين قمت بزيارة الموقع الإلكتروني للشركة، الذي ما زال يحمل الهوية القديمة للشركة بنخلته البيضاء في المربع الأزرق. ويبدو أن الشركة ما زالت تختبر الهوية الجديدة قبل أن تقوم بتحديث موقعها الإلكتروني، أو يبدو أنها تنتظر شيئا من ردود الأفعال والتعليقات حول تلك الهوية قبل أن تضعها موضع التطبيق، أو أنها ربما لا تعلم أن لديها موقعا إلكترونيا من الأساس، خاصة أن الموقع يبدو أنه لم ينل حظه من التحديث لفترة طويلة. والأجمل، أن صور الغرف الفندقية التي يضمها الموقع على أنها صور لغرف الاستراحات التي تملكها الشركة صور لغرف جميلة مرتبة، أعتقد أنها ربما أخذت في أحد الفنادق الشهيرة، لكن بالتأكيد ليس في أي من استراحات الطرق التي يعرفها ويعلم مستواها القارئ الكريم. وعلى أية حال، آمل أن أكون مخطئا في كل ما ذكرته في هذا المقال، وآمل أن يكون تغيير المظهر مؤشرا على نية حقيقية وخطة عملية لتغيير الجوهر، وأن يكون لدى الشركة برنامج جاد للارتقاء بمستويات الخدمة والأداء في استراحاتها ومحطاتها على الطرق بين مدن المملكة، علها تحقق تطلعات أمين هيئة السياحة قبل الموعد المنتظر في نهاية السنتين التي أشار إليها سموه الكريم.