مخاطر الاتحاد النقدي الخليجي

لدى الكثير نزعة بديهية في أن الاتحاد النقدي الخليجي خطوة طال انتظارها وإحدى المحطات الرئيسة لإكمال الاتحاد الاقتصادي وحتى السياسي بين دول مجلس التعاون.. أتت الأزمة المالية في أوروبا وخاصة دول البحر المتوسط الحلقة الأضعف في منظومة الدول الأوروبية لتعيد التفكير. الإشكالية الرئيسة في الاتحاد الأوروبي هي أن السياسة النقدية (العملة وأسعار الفائدة) في حالة تماثل، بينما السياسة المالية في حالة تباعد. هذه الحالة أدت إلى تسارع في الاقتراض إلى أن رفض «السوق» إقراضها، وكانت اليونان أولى الضحايا. التجربة الأخرى الجديرة بالذكر هي التجربة الأمريكية، وهذه وجدت توازنا فريدا بين الحكومة المركزية وحكومات الولايات. التجربة الأمريكية نجحت بسبب مركزية السياسة النقدية (التي استمرت لعدة عقود في التطور حيث تأسس البنك المركزي الأمريكي في عام 1913 فقط)، وكذلك القوة المركزية المالية التي تتركز في الحكومات الفيدرالية (والتي زاد دورها منذ الثلاثينيات) بينما لا تزال الولايات تحتفظ بسياسة مالية معتبرة. المهم هنا هو أن منظومة الدول الخليجية ليست في المرحلة الأوروبية وبعيدة سياسيا عن درجة الاتحاد الأمريكي.
يتمتع الاتحاد النقدي بخصائص تجعله جذابا للعامة ولكن له تأثيرات بعيدة بعض الشيء عن استحقاقات الحياة اليومية، بينما السياسة المالية (ضرائب ودعم ومشاريع حكومية) ذات تأثير مباشر في العامة، وبالتالي هي مرتبطة مباشرة بالسياسة والحالة السيادية للدول، ولذلك أسهل على السياسيين الارتباط نقديا وتأجيل الصعوبات في الاتحاد المالي. ما يفرق بين الدول الأوروبية ودول الخليج أن دول الخليج تعتمد أكثر على الدور الحكومي في السياسة المالية (بحكم الاقتصاد الريعي ذي الطبيعة التوزيعية) ولذلك فهي أكثر عرضة لحالات من الاختلافات الناجمة حتما عن الرغبة في تعظيم الاستفادة من مصلحة من ليس لهم دور في تحقيقها في الأصل. بل إنه من المفارقات أن دول الخليج متماثلة إلى حد كبير في السياسة النقدية، حيث إن العملات مرتبطة بالدولار ولذلك فإن قيمها مقابل بعض ثابتة وكذلك أسعار الفائدة، وبالتالي فإن أي مسعى جدي لتوحيد الاقتصاديات يجب أن يبدأ بالسياسات المالية التي هي مصدر القلق والصعوبات مستقبلا. المخاطر تتجسد في سلسلة مطالبات مالية من القادر لغير القادر دون سقف ومعايير اقتصادية. وهذا حتما سوف يأتي بمشاكل.
جوهريا الاتحاد النقدي وحتى المالي لا يتعامل مع المشاكل الاقتصادية في دول الخليج، تذكر الأدبيات الاقتصادية أنه ليس هناك علاقة وثيقة بين التنمية والحجم ولا حتى بين الثروات الطبيعية والسلم المعرفي والفني، فهناك دول استطاعت التقدم، مثل سنغافورة وتشيلي وإسرائيل وفشلت مصر والعراق ونيجيريا؛ ولذلك فإن اتحاد دول الخليج قد يسهل الحياة للبعض ولكن الفائدة الاقتصادية ليست كبيرة. أضاعت دول الخليج الكثير من الطاقات والوقت في نهج محدود الفائدة متناسية المخاطر. الأحرى بهذه الدول الانشغال بإصلاح الحال الاقتصادية أولا ونهج سياسة تقاربية تلامس حياة الناس الاقتصادية مباشرة كخطوات أولية، مثل المعاملة بالمثل توظيفيا ومعادلة المهن والأنظمة وتسعيرة الطاقة والجمارك التي لم تكتمل بعد سنوات من التردد وحتى التخاذل أحيانا.
الأحرى أن تستمر دول الخليج في التعاون والتنسيق العام وأخذ القدوة من المؤسسين الذين دعوه بمجلس التعاون وليس (نظاما وحدويا). كذلك على هذه الدول صرف هذه الطاقات على الإصلاحات الداخلية والعمل على تحقيق إنجازات واضحة وملموسة على أقل مستوى مرتبط بمصالح الناس مما يؤدي لتراكم النجاحات وتذويب الخلافات والاختلافات.
نستطيع أن نعمق الهوية الخليجية من خلال الخطوات الملموسة التي يحس بها الإنسان العادي وليس من خلال أطر اقتصادية كلية فقط، حينها يكون الاتحاد النقدي والمالي خطوة أكثر منطقية وأقل مخاطر.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي