الصناديق البنكية للقرض الحسن: توظيف المؤسسات القيمية للمجتمع
تناولنا سابقا أهمية القرض الحسن ودور البنوك في تفعيله ودواعي قيام البنوك بفتح أبوابه، كما استعرضنا في العدد السابق أنواعا مختلفة من الصناديق الادخارية والاستثمارية والأسرية في مظلة الحديث عن ضرورة توجه البنوك نحو زيادة أنواع وأشكال وأعداد الصناديق الاستثمارية، وقد بينا أن من أبرز ما بادرت بطرحه بعض البنوك صناديق التخلص البنكية التي كانت عنوان المقالة المذكورة.
والحقيقة الأولى أن الصناديق هي الأدوات التي يمكن للبنوك تفعيل وتطوير شبكاتها وعلاقاتها النقدية والمالية مع مختلف شرائح المجتمع، وأما الحقيقة الثانية فهي أن تمنع الجمهور في مجتمعاتنا من أخذ الفوائد على ودائعهم، ومن ثم تمتع البنوك في بيئتنا المحافظة بالحصول على المال بلا أي عائد، يجعلنا نحتم قيام البنوك بتطوير واستحداث وسائل غير تقليدية لتفعيل مسؤوليتها البنكية تجاه جمهورها المحافظ بإقراضهم ــ من خلال ضوابط ائتمانية ــ مجانا نسبة معقولة من هذه الودائع المجانية .. ويمكن أن تقدم هذه القروض المجانية (القروض الحسنة) من خلال صناديق بنكية للقرض الحسن. والمتصور أن تعمل صناديق القروض الحسنة على أسس ائتمانية وتجارية تستقطب الأموال للبنوك، من ناحية، وتحصل البنوك على عوائد مقابل إدارتها وتنمية أموالها باستثمار أجزاء منها، من ناحية أخرى.
وتتم استفادة البنوك باستقطاب الأموال إلى صناديق القرض الحسن عبر قيام البنوك بتأسيس صناديق متنوعة ومتعددة للقروض الحسنة وبرؤوس أموال متفاوتة بحسب هدف الصندوق وإمكانات البنك الإدارية وعدد جمهور عملاء البنك. ويقوم البنك بوضع نسبة معينة (10 % مثلا) من رأس مال الصندوق كقرض مجاني (قرض حسن)، ويفتح البنك الصندوق للمقدمين للقروض الحسنة ليغطوا بقية رأس مال الصندوق (90 % مثلا) .. وهكذا يحصل البنك على أموال هائلة (10 صناديق مثلا بمتوسط رأس مال 1 مليار = 10 مليارات) يستفيد من رسوم إدارتها والمشاركة في عوائد استثمار أجزاء منها .. وتضع البنوك من الضوابط والشروط ما يحفظ هذه الأموال لتنمو وتتكرر إعادة إقراضها الحسن وتدويرها ولتعاد إلى أصحابها عند تواريخ استحقاقاتها .. وبذلك تسد حاجات المجتمع الملحة للإقراض والاقتراض الحسن، في الوقت نفسه الذي تحقق البنوك أهدافها التجارية وتقوم بأدوارها البنكية وتكسب أبعادا إعلامية ترفع درجات قبولها الاجتماعي.
ويمكن أن نعطي أمثلة للأنواع التي يمكن إنشاؤها في مظلة الصناديق البنكية للقرض الحسن، فمن ذلك صناديق القرض الحسن العائلية أو الأسرية التي يمكن أن تؤسس بوضع نماذج يحدد من خلالها الشروط التي لا بد من توافرها للترخيص لصندوق قرض حسن خاص بأسرة أو مجموعة أسر معينة، ويمكن أن تصاغ هياكل هذه النماذج بواسطة لجان تعمل عليها من البنوك ومؤسسة النقد ووزارة الشؤون البلدية والقروية ووزارة الداخلية.. ونقول بمثل ذلك لتأسيس صناديق بنكية اجتماعية للقرض الحسن تقدم من خلالها القروض الحسنة لفئات اجتماعية لها ظروف خاصة كالمرضى أو أصحاب الدخول المحدودة أو الطلبة أو غيرهم .. ومن الأمثلة أيضا الصناديق البنكية العقارية للقروض الحسنة التي تقدم بشروط معينة قروضا محدودة للمساعدة على إكمال البناء أو إكمال الشراء أو الترميم. ويمكن أن يستفاد من شروط وتجارب بنك التسليف وصندوق التنمية العقارية في هذا المجال .. وهكذ الأمثلة كثيرة على أنواع الصناديق البنكية التي يمكن العمل على تأسيسها للإقراض الحسن. وما يلزم لاستحداث مثل هذه الصناديق إجراء الدراسات لإعداد الضوابط والشروط العملية لها ولهياكلها بحيث تعمل على الاستقرار والتطور الاجتماعي لشعوبنا.
وقد يكون هناك تساؤلات عن مبررات وأسس اقتصادية أو منطلقات من القواعد والتقاليد البنكية العريقة في الدول المتقدمة أو ممارسات مشابهة محلية أو دولية تبعث الطمأنينة في البنوك المركزية في دولنا النامية التي تميل إلى أن تكون ذات سياسات محافظة جدا ترجح السلامة ولا سوى السلامة ولو كانت على حساب التطوير والمواكبة للمتطلبات البيئية والاجتماعية الخاصة. لهذا تقول إن هناك كثيرا من الأشكال البنكية بخلاف البنوك التجارية التقليدية، منها على سبيل المثال لا الحصر الصناديق التعاونية والبنوك الاجتماعية واتحادات الائتمان وغيرها من الأنواع التي يمكن الرجوع إليها في المراجع الأجنبية. وقد بادرت المملكة العربية السعودية ممثلة بجهازها المالي وسياسته المالية لإطلاق مشاريع القروض الحسنة من صندوق الاستثمارات العامة إلى قطاع الكهرباء والنقل للسكك الحديدية للأغراض والأهداف العامة، وهي بهذه السياسات للإقراض الحسن تخترق القواعد التقليدية المالية، وندعو مؤسسة النقد للاقتداء بالقطاع المالي العام بالمبادرة إلى استحداث نظم وسياسات تعتمد على تطوير البنوك للقيام بأدوارها التنموية والاقتصادية والاجتماعية المنوطة بها لتؤدي إلى الاستقرار النقدي والبنكي ليس في الأجل القصير فحسب، وإنما في الأجل الطويل أيضا.
وليتذكر واضعو مختلف السياسات والمخولون بإمكانية التطوير النقدي والبنكي أن المجتمعات والشعوب قد لا تستعد للمعاناة والصبر طويلا. ولا شك أن القطاع البنكي والنقدي مكمل للقطاع المالي. وهذان القطاعان يتكاملان مع بقية جوانب القطاع الاقتصادي الذي هو جزء من المجتمع لا بد أن يؤثر فيه ويتأثر به، وبالتالي فاستجابة القطاع النقدي لمتطلبات المجتمع وخصوصياته ومستجداته ضرورية لاستقرار المجتمع ونموه وازدهاره. فمع نمو المجتمع وتطوره ليصبح مجتمعا يعتمد على الفردية الذرية للأسرة ومع ظهور مجتمع المؤسسات اختفى وتضاءل كثير من المؤسسات القيمية التي كان الأفراد يستطيعون تقديمها في المجتمعات التقليدية، ومن ذلك التقديم التطوعي للقروض الحسنة، ولأن القرض الحسن هو إحدى المؤسسات القيمية راسخة الجذور في تركيبة المجتمع وتاريخه كان لا بد أن تفعّل بواسطة المؤسسات البنكية والمالية للمجتمع .