آفاق التضخم في دول مجلس التعاون
أصدر صندوق النقد الدولي الشهر الماضي تقرير نيسان (أبريل) عن ''آفاق الاقتصاد'' العالمي World Economic Outlook، ومن المعلوم أن التقرير يصاحبه تحديث قاعدة البيانات التي ارتكزت عليها السيناريوهات التي يقوم عليها التقرير، وتشتمل قاعدة البيانات على سلاسل زمنية مهمة جدا، بصفة خاصة فيما يتعلق بتوقعات الصندوق حول الأداء الاقتصادي الكلي لدول العالم ومجموعاته المختلفة خلال الفترة القادمة. قاعدة بيانات تقرير آفاق الاقتصاد العالمي الحالية توفر توقعات حول أداء الاقتصاد العالمي حتى عام 2015. سأتناول هذه التوقعات الأساسية للصندوق حول الأداء الاقتصادي الكلي واحدا تلو الآخر وسأبدأ بتوقعات الصندوق حول آفاق التضخم في دول مجلس التعاون، باعتبار أن التضخم من المؤشرات التي تهم رجل الشارع حيث تؤثر في القوة الشرائية لدخله وقدرته على الإنفاق، خصوصا في ظل ميل الدخول إلى عدم الارتفاع بصورة موازية لتطورات معدل التضخم.
دول مجلس التعاون هي، من الناحية التقليدية، دول لا تعاني التضخم المرتفع بشكل عام، حيث كان معدل التضخم خلال الفترة من 1980 حتى 2008 إما منخفضا أو متوسطا. في بداية فترة الثمانينيات شهدت دول مجلس التعاون معدلات تضخم متوسطة نتيجة آثار أسعار النفط المرتفعة التي سادت في أعقاب الحرب العراقية - الإيرانية، قبل أن تنخفض معدلات الارتفاع في أسعار النفط الخام وتميل بالتالي معدلات التضخم نحو الانخفاض من نحو 7 في المائة في المتوسط في عام 1980 إلى 1.7 في المائة في المتوسط في عام 1983، ثم مالت الأسعار نحو الانخفاض في عامي 1984 و1985، وتحول معدل التضخم إلى انكماش سعري، نتيجة انخفاض أسعار النفط بشكل كبير خلال هذه الفترة.
وعلى مدى الفترة من 1985 حتى عام 2004 تقريبا، تمتعت دول مجلس التعاون بمعدلات تضخم منخفضة للغاية، حيث بلغ معدل التضخم في المتوسط 1.8 في المائة وهو ما يعد من أقل معدلات التضخم في العالم. بدءا من عام 2004 شهدت اقتصادات دول مجلس التعاون سخونة نسبية نتيجة للزيادات غير المسبوقة في الإيرادات النفطية وخطط الإنفاق على المشاريع الضخمة في دول المجلس فضلا عن زيادة مستويات الدخول، كل هذا كان يصب في زيادة الإنفاق الكلي داخليا ليمارس ضغوطا على المستوى العام للأسعار، كذلك مالت الأسعار العالمية للسلع في هذه الفترة نحو الارتفاع، بصفة خاصة السلع الغذائية، نتيجة للظروف المناخية وتزايد الاتجاه نحو استخدام الغذاء في توليد غار الايثانون كبديل للبنزين المرتفع الثمن فضلا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج الزراعي نتيجة ارتفاع أسعار النفط.
أدت هذه العوامل كافة إلى نوعين من الضغوط التضخمية في دول المجلس: ضغوط تضخمية محلية ومستوردة. بلغ معدل التضخم في دول مجلس التعاون في المتوسط خلال الفترة من 2004 إلى 2008 نحو 7 في المائة، إلا أنه بحلول عام 2008، بدا من الواضح أن التضخم في دول مجلس التعاون قد خرج عن نطاق سيطرة صانع السياسة الاقتصادية الكلية، وشهدت دول المجلس معدلات تضخم بلغت في المتوسط 10.5 في المائة، غير أن هذا المعدل المتوسط يخفي فروقا واضحة بين دول المجلس، فقد بلغ معدل التضخم في قطر 15.5 في المائة، تليها عمان بمعدل تضخم 12.6 في المائة، ثم المملكة بمعدل تضخم 11.54 في المائة والكويت والإمارات بمعدل تضخم 10 في المائة تقريبا، أما أقل معدلات التضخم فهو ما تتمتع به البحرين بشكل عام. إذن معدل التضخم في 2008 كان قد كسر حاجز الرقمين في معظم دول المجلس، وبات من الواضح أن الإقليم يستعد للدخول في حلقة تضخمية مدفوعة بضغوط الطلب الناجم عن تزايد الإيرادات النفطية والدخول من جانب، وضغوط التكلفة الناجمة عن ارتفاع أسعار السلع المستوردة من الخارج من جانب آخر.
غير أن نشوب الأزمة المالية العالمية، وتحولها إلى أزمة اقتصادية عالمية وما ترتب عليها من كساد عالمي وميل الأسعار نحو الانخفاض في دول العالم كافة، وبالطبع منها دول مجلس التعاون، قد ساعد على تخفيف الضغوط التضخمية في دول المجلس. تراجع معدلات التضخم في دول المجلس هو إذن أحد الآثار الإيجابية للأزمة المالية العالمية في تلك الدول. هذا طبعا لا يعني أن الأزمة كانت خيرا كلها على دول المجلس، بالعكس لقد أحدثت آثارا عميقة، ليس هنا مجال الحديث عنها. للأسف السيناريو الذي يعرضه الصندوق في تقرير آفاق الاقتصاد العالمي ''عدد نيسان (أبريل) 2010'' يتسم بعدم الواقعية إلى حد بعيد، حيث إنه يتوقع مستويات منخفضة للغاية لمعدلات التضخم في دول المجلس خلال الفترة القادمة. حيث يتوقع الصندوق أن تصل معدلات التضخم في المتوسط خلال الفترة من 2010 إلى 2015 إلى نحو 3.3 في المائة، وهو معدل أراه منخفضا جدا بالنظر إلى ما هو متوقع أن يحدث في دول المجلس عقب تعافي العالم وخروجه من الأزمة. أتوقع عند خروج العالم من الكساد الحالي، أن تصعد أسعار النفط إلى مستوياتها قبل الأزمة مرة أخرى، ومن ثم حدوث نمو هائل في الإيرادات النفطية لدول المجلس ومن ثم عودة ضغوط التضخم مدفوعة بعوامل الطلب المحلية من جانب والتضخم المستورد من جانب آخر. إذا صدقت توقعاتي، فإن عام 2011 سيشهد عودة التضخم عند مستوياته المتوسطة مرة أخرى في دول مجلس التعاون. الأشكال الستة التالية توضح اتجاهات التضخم في الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون خلال الفترة من 1980 إلى 2008 (بيانات فعلية)، وتقديرات صندوق النقد الدولي لاتجاهات التضخم في تلك الدول كل على حدة حتى عام 2015.