جمعية الأمير فهد بن سلمان .. أنموذج الاقتصاد الخيري!
أهم ما يميز أي عمل خيري ليست فقط قدرته على الديمومة والاستمرار، فكثير من الأعمال الخيرية ربما تكتسب هذه الصفة, خاصة تلك التي يقوم تمويلها على الأوقاف الخيرية، لكن الميزة الأسمى والأهم هي قدرته على التوسع والشمول وتغطية أكبر قدر من المستفيدين، مع الحفاظ على الجودة النوعية، والأخذ بأسباب التطور واستخدام التقنيات الحديثة في الأداء دون الوقوع تحت طائلة التضخم الإداري والبيروقراطي، وهي العلة التي قلما نجا منها أي عمل تطوعي اختار أن ينوع فعالياته أو يمدد رقعة نشاطاته.
جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي استطاعت أن تحقق هذه المعادلة الصعبة، عندما أنجزت عديدا من القفزات النوعية والعددية، وأخذت على عاتقها مسؤولية الوصول إلى تغطية المساحة الشاسعة في مجال تخصصها، دون أن يزيد كادر تشغيلها على أصابع اليدين، مستفيدة من منهج إداري واع وشفاف اختطه لها الأمير عبد العزيز بن سلمان المشرف العام على الجمعية، اعتمد فيه على تطوير الأداء الطوعي بالإفادة من المتطوعين في مواقعهم نفسها، مع تحفيز كل الجهات على المساهمة في خدمة أهداف الجمعية وفق تخصصاتها وإمكاناتها في أروع أنموذج للاقتصاد الخيري، وهذا ما وفر على الجمعية عبء البحث عن كوادر إدارية إضافية لمواجهة إدارة تلك الأعمال الكبيرة, ما قد يشكل في النهاية ثقلا إداريا يحول عمل الجمعية إلى عمل بيروقراطي لا أول له ولا آخر. وأدى هذا الأسلوب إلى تمكن الجمعية من الانصراف إلى أهدافها وبناء استراتيجياتها سواء فيما يتصل بالتوسع أو تطوير أساليب الأداء بشكل مذهل, أفضى بالنتيجة إلى رفع مستوى تأهيل العاملين في قطاع أمراض الفشل الكلوي، واستقطاب الخبرات العالمية لهذا الغرض دون أي نفقات إدارية إضافية. ولأن الجمعية لا تضع أي سقف لمدى تطلعاتها عدا الوصول إلى كل من يحتاج إلى خدماتها من المواطنين والمقيمين في مختلف أنحاء المملكة, فقد سعت بكل قوة لفتح مزيد من قنوات التعاون والمشاركة الفاعلة مع الجهات الرسمية والأهلية في كل ما من شأنه دعم مخططاتها وأهدافها, ليس فقط في مجال معالجة أمراض الفشل الكلوي، إنما أيضا فيما يتصل بالحد من انتشارها بزيادة جرعات التوعية، والتصدي لأسبابها، وها هي اليوم تحتفل تحت رعاية الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض ورئيس مجلس إدارة جمعية الأمير فهد بن سلمان الخيرية لرعاية مرضى الفشل الكلوي، والداعم الأكبر لمثل هذه المشاريع الإنسانية, بإطلاق مشروع الشراكة لبرنامج رعاية غسيل مرضى الفشل الكلوي للمحتاجين مع شركائها، في خطوة نوعية جديدة ستضيف إلى رصيدها الإنساني والأخلاقي كثيرا من التوهج والحضور كمؤسسة وطنية رائدة اكتسبت احترام المتبرعين والباحثين عن القيمة الخيرية الناصعة التي لا تهدأ ولا تستكين إلا حينما تجعل المتبرع يرى بأم عينه كيف تحول تبرعه إلى عمل إنساني يضخ في أوردة أولئك المأزومين مجددا إكسير الحياة بأقل ما يمكن من المعاناة. ومن خلال برنامج بالغ الشفافية والوضوح، أسهم ولا يزال بفضل الله في بلورة منظومة مؤسسية خيرية لرعاية مرضى الكلى، مثلما أسهم في نقل هذه الخدمة من الاجتهادات الخاصة والفردية إلى عمل متكامل وخلاق لا بد أنه سيفضي بالنتيجة ـ بإذن الله ـ إلى تحجيم هذه المشكلة، ووضعها في إطارها الطبيعي, طالما أن القائمين على هذه الجمعية يضعون على رأس أولوياتهم مسألة التوعية وتثقيف المجتمع لتجنب مسببات هذا المرض. ولعل رعاية الأمير سلمان بن عبد العزيز هذا الحدث، وإطلاق مشروع الشراكة بأهدافه النبيلة وغاياته الأنبل بين يدي سموه الكريم، وهو الأب الروحي لهذه المؤسسة التي تجاوزت سنها الزمنية اكتمالا ونضجا وسعة أفق، بفضل توجيهاته ورعايته الأبوية، ودأبه الكبير على تذليل المصاعب كافة التي ربما تعوق مسيرتها .. تعكس بصدق المدى الذي بلغه هذا الوطن برجالاته المخلصين في ميادين العطاء الخيري النوعي الذي يألم لآلام أولئك المتوجعين، ويترجم آلامه إلى برامج عمل تذهب إليهم حيثما كانوا لتأسو متاعبهم وتخفف من آلامهم في أعظم خدمة خيرية لا تكتفي ببث أنبل المشاعر التكافلية لمن يحتاج إليها، وإنما تذهب إلى ما هو أبعد لتسهم في علاجهم ومدّهم بما يقوي عزائمهم بأنهم جزء من هذا الجسد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى!