عندما نترك خيرنا لغيرنا

ذكر نائب وزير العمل أن لدينا 200 ألف عاطلة عن العمل وأن 78 في المائة منهن يحملن درجة البكالوريوس، وذكر أيضاً ما سماه ''الجدل الاجتماعي'' كأحد المعوقات. هذا المستوى من البطالة لهذا المستوى من التعليم متركز في فئة واحدة يجعل منها إشكالية إنسانية قبل أن تكون اقتصادية. ولكن البُعد الاقتصادي في قلب الإشكالية. فنحن نستقطب الملايين غير المؤهلين ولم نندب مستوى التعليم والمناهج. دعنا نراجع التركيبة العمالية بطريقة شعبية؛ يذكر أن هناك نحو ثمانية ملايين في المملكة، فجدلاً أربعة ملايين منهم في الوظائف المنزلية والعمالة الأقل تأهيلاً وهناك نحو 1.5 مليون في المهارات المختلفة كالهندسة والطب والتعليم والمعلوماتية والاستشارية وغيرها، ولذلك هناك ما بين مليونين إلى ثلاثة ملايين وظيفة عمل لا تتطلب أي مهارة، كل ما تتطلبه هو قرار إداري حكومي لحماية المواطن والمواطنة بما في ذلك من رغبة صادقة لتجاوز ما سماه النائب ''الجدل الاجتماعي''. وهذه علاجها في التخلص من حالة الرياء الاجتماعي من ناحية وتغليب المصلحة الوطنية من ناحية أخرى.
موضوعياً، يصعب على المراقب تحديد معالم السياسة العمالية ولعل هذا هو أحد أسباب الانزلاق إلى هذه المرحلة دون تقنين آلية حركة سوق العمل، فنحن خضعنا لرغبات جزئية في سوق العمل دون استراتيجية شاملة وواضحة، فاختلطت سياسة السوق المفتوح برغبة المواطن في استغلال الفجوات في النظام وبالتالي المتاجرة غير الأخلاقية في سوق العمل ومنها الإضرار بسمعة المملكة. واختلطت رغبة الحكومة في تشجيع المقاولين والإضرار على أدنى تسعيرة ما أدى إلى استبعاد الموظف السعودي أتوماتيكياً. واستشرى كثير من رجال الأعمال في الضغط على الحكومة تحت عدة مسميات لمزيد من المرونة والتهديد بالمقارنة بدبي وغيرها من دون وعي بالمصلحة الوطنية العليا. أصبحنا نخلط بين تاجر ومقاول أجنبي متوسط وصغير يعمل بداعي الاستثمار وبين مستثمر سعودي لا يجد من يرشده. فكثير من المؤسسات والشركات السعودية لا تفرق بين توسع أفقي يخدم مراهناتها على الاستفادة من علاقات أو منافع أو دعم حكومي أو بين قدراتها على تطوير ذاتي مبني على أنماط علمية وفنية مستقاة من واقعها وقياس القيمة المضافة في أعمالها. أدت هذه التناقضات إلى خلل هيكلي في سوق العمل.
حينما قررنا ضمنياً استبعاد العقلانية في القرار الاقتصادي فلا بد أن يحل محلها نموذج فكري آخر. ولكن حتى المحلل يصعب عليه أن يحدد السياسة العمالية. فحين يذكر نائب الوزير الأرقام المخيفة ثم يذكر حالة الجدل الاجتماعي فنحن نخلط كما يقول المثل الحابل بالنابل ونمارس سياسة ترقيعية لا أحد يرغب في التعامل معها جدياً نظراً لسكوتنا عليها لمدة طويلة. فحسب علمي أنه لا وزارة التخطيط ولا وزارة العمل ولا المجلس الاقتصادي الأعلى ولا مجلس الشورى يتحدث عنها بالعمق والتفصيل والتفعيل الذي تستحقه.
في المقام الأخير السياسة العمالية الناجحة تقوم على قاعدتين: الأولى هي أنها تتعدى أن تكون مسؤولية وزارة العمل فقط، فالموضوع أعقد وأكثر تشعباً من أن يكون في حوزة جهاز الوزارة المثقلة. والثانية أنه يصعب الحديث عن سياسة عمالية دون أن تكون جزءاً من سياسة تنموية شاملة. وما ينطبق على السياسة العمالية هو ما يقال عن السياسة التعليمية، فهذه السياسات لا تناقش أكاديمياً أو هي في فراغ، بل لا بد أن تكون جزءاً عضوياً في برنامج تنموي، وهذا لا يزال بعيد المنال.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي