العلم .. المعجزة الوطنية
أستميح القارئ الكريم العذر في خروج هذه المقالة عن إطار السلسلة التي كنت قد بدأتها في إطار الحديث عن جوانب قضية الإسكان في المملكة ، والسبب في ذلك مجموعة المشاعر التي أثارتها مشاهداتي في لقاء كنت قد حضرته الأسبوع الماضي مع عدد من منسوبي شركة العلم لأمن المعلومات في مقر الشركة في مدينة الرياض، هذه المشاعر التي اختلطت بين الفخر والعجز، بين الثقة والشك، بين الأمل والإحباط، فقررت أن أعرضها أمام نظر القارئ الكريم، لأضع بين يديه شهادة أمينة على واقع جميل وأليم في الوقت ذاته.
قد لا يعلم الكثيرون شيئا عن هذه الشركة التي تعمل في صمت مطبق، ربما لأن منسوبيها والقائمين عليها آثروا أن تتحدث أعمالهم وإنجازاتهم عنهم بدلا من التطبيل لإعلامي المضلل، أو ربما لأنهم غارقون في خضم الكثير من المهام والأعمال التي تنوء بها الجبال. ولذلك، أعرض هنا للقارئ الكريم بعض المعلومات عن هذه الشركة لأسجل حيالها ما اختلج في نفسي من مشاعر، فهي شركة مملوكة بالكامل لصندوق الاستثمارات العامة، ويعمل بها ما يزيد على 250 موظفا تبلغ نسبة السعوديين منهم أكثر من 75 في المائة جلهم من الفنيين والمتخصصين في مجال تقنية المعلومات، ومع ذلك، فازت هذه الشركة الرائدة لأربع سنوات متتالية بجائزة أفضل بيئة عمل في المملكة. قد لا يعلم الكثيرون شيئا عن إنجازات هذه الشركة، مع أنهم يستخدمون منتجاتها بشكل يومي، وهي منتجات لا يملك أي مواطن أو مقيم في هذا البلد أن يستغني عنها، بدءا بأنظمة مركز المعلومات الوطني، ومرورا بأنظمة ''مقيم'' و''إشعار'' و''تم'' و''شموس''، وغير ذلك من منتجات قواعد البيانات والاتصال المعلوماتية التي تمس جوانب حياة كل مواطن. باختصار، هي شركة أخذت على عاتقها مهمة تحويل الأحلام إلى حقائق، وبأيد وعقول سعودية خالصة.
خرجت من هذا اللقاء تتنازعني مشاعر مختلطة ومتناقضة حيال ما رأيت، فمن جهة، سيطر علي شعور الفخر بهذا الكيان الرائد، بما ضمه من كفاءات وقدرات فنية وإدارية سعودية وطنية، وبما حققه ويتطلع إلى تحقيقه من إنجازات، وبما تركه من أثر كبير في حياة المواطن، دون أن يتحدث أحد عن هذا الجندي المجهول الذي وقف بصمت وراء هذه الإنجازات الحيوية، التي وضعت المملكة في الصفوف الأولى في مجال تقنية المعلومات وتطبيقاتها على المستوى الوطني والأمني والتجاري. من جهة أخرى، سيطر علي شعور بالإحباط حول ما نعيشه من واقع مرير في جوانب التنمية الأخرى في المملكة، وأصبحت أتساءل عن السبب الذي يجعلنا عاجزين عن تحقيق هذا المستوى من الإنجاز المتميز في المجالات كافة، فالمسألة ليست مسألة قدرات بشرية، فهذه الشركة وظفت قدرات بشرية سعودية متميزة، والمسألة ليست مسألة تمويل، فالكثير من الكيانات الحكومية والخاصة تمتلك قدرات تمويلية كبيرة، بما فيها صندوق الاستثمارات العامة الذي لم يتمكن من تحقيق المستوى ذاته من النجاح في بقية الكيانات التي تبناها، أو في المبادرة لمعالجة القضايا العويصة التي تواجه مسيرة التنمية الوطنية، والمسألة ليست مسألة نفوذ، فكيانات الدولة تملك المستوى ذاته من النفوذ إن لم يكن يتخطاه بمراحل عديدة. إذن، ما السبب الذي مكن هذه الشركة من أن تخرج عن المألوف، وأن تحقق هذا النجاح الرائع، وأن تسبق الركب في مسيرة التنمية الوطنية. ما الذي يجعلنا عاجزين عن وضع الحلول لمعضلة الإسكان، أو قضية السعودة وتوطين الوظائف ومشكلات البطالة، أو أزمات التعليم والصحة والقضاء والمرور وغيرها من المشكلات والقضايا التي يعيشها المواطن في كل جوانب حياته. إن كنا قادرين على تحقيق هذه الاحترافية في العمل، وهذا النجاح المتميز في أحد الكيانات الوطنية، فلماذا نعجز عن تكرار هذه التجربة وتحقيق النجاح ذاته على بقية المستويات. في الحقيقة، لا جواب لدي على هذا التساؤل، ولكن ما أرجوه هو أن يثير هذا التساؤل الرغبة الحقيقة والإرادة الحازمة المخلصة لدى أجهزة الدولة ومؤسسات القطاعين العام والخاص لتجعل من مسيرة هذه الشركة الفتية وإنجازاتها مثالا يحتذى، وأن ترفع مستوى التطلعات والتوقعات، وأن تحشد لتحقيقها ما تمتلكه من موارد وقدرات وإمكانات، وأن تضع نصب أعينها مصلحة الوطن والمواطن، وأن تعمل بإخلاص وجهد متضافر لتحقيق هذا الهدف.
أختم بدعوة خالصة لمنسوبي هذه الشركة والقائمين عليها بالتوفيق والسداد، وأن يستمروا على النهج الذي اتخذوه نبراسا لهم، فالتاريخ هو الذي سيشهد لهم وينصفهم بما يستحقونه من إشادة واعتبار.