عودة النمو لاقتصادات دول الخليج
نتفق مع ما ذهب إليه معهد التمويل الدولي فيما يخص توقعاته بعودة النمو لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الست. يتوقع التقرير الذي صدر الأسبوع الماضي تسجيل نسبة نمو قدرها 4.4 في المائة في عام 2010, فضلا عن 4.7 في المائة في 2011. وحسب المصدر نفسه، تم تسجيل نسبة نمو متواضعة في اقتصادات دول مجلس التعاون عام 2009, وتحديدا 0.3 في المائة فقط. الأرقام هذه فعلية أي بعد طرح متغير التضخم.
تتميز تقارير المعهد بكثير من المصداقية بالنظر إلى كثرة أعضائها من البنوك وشركات التأمين والمؤسسات الاستثمارية، حيث تم تأسيسه في عام 1983 في أعقاب الأزمة المالية التي عصفت بالعالم في 1980, بل تعتمد تقارير معهد التمويل الدولي على مساهمات مقدمة من جهات تمتلك معلومات محدثة وتحديدا المؤسسات المالية.
أرقام حيوية
ربط التقرير الأداء الإيجابي لعامي 2010 و2011 بارتفاع أسعار النفط وتطبيع التجارة الدولية وسياسات الاقتصاد الكلي السليمة وتدفق رأس المال لدول المجلس, مؤكدا ''ارتفعت أسعار النفط وبقيت مرتفعة في الأشهر القليلة الماضية كدليل مادي على معافاة الاقتصاد العالمي من تداعيات الأزمة المالية التي عصفت بالعالم في 2008''. ولعبت مجموعة العشرين التي تضم السعودية دورا محوريا في عودة الثقة للاقتصاد العالمي بواسطة تعزيز المصروفات.
فيما يخص الأرقام، يتوقع التقرير ارتفاع إيرادات دول مجلس التعاون من النفط والغاز من 323 مليار دولار في 2009 إلى 419 مليار دولار في 2010 ومن ثم 457 مليار دولار في 2011. وبالنسبة لتدفقات رؤوس الأموال، يتوقع التقرير ارتفاع صافي الأصول الأجنبية في دول مجلس التعاون الخليجي الست من 1049 مليار دولار في 2009 إلى 1340 مليار دولار مع نهاية 2011, لكن علينا الانتظار لفترة لمعرفة الإحصاءات الفعلية, وخصصوا تلك التي تخص القطاع النفطي.
فوائض مالية
تعزيزا لما جاء في معهد التمويل الدولي، يشير تقرير حديث لمصرف الإمارات الصناعي يتوقع تحول العجز المتوقع في ميزانيات دول مجلس التعاون للسنة المالية 2010 من ثلاثة مليارات دولار إلى فائض بقيمة 50 مليار دولار. ومرد هذا التحول هو ارتفاع أسعار النفط مقارنة بتلك التي تم إقرارها عند إعداد الميزانيات العامة، حيث أقرت كل من البحرين وعمان وقطر متوسط سعر قدره 40 دولارا و 50 دولارا و 55 دولارا للبرميل على التوالي.
مع الأسف لا تنشر كل دول الخليج الإحصاءات الحيوية المتعلقة بالميزانية, حيث نشرت إحدى الدول الخليجية أرقام الميزانية العامة للسنة المالية 2010 دون ذكر متوسط سعر النفط, أيضا هناك دولة خليجية أخرى تتعمد نشر الإحصاءات المتعلقة بالميزانية العامة بعد انتهاء السنة المالية.
تتميز الميزانية الموحدة لدول مجلس التعاون الخليجي في السنة المالية 2010 بارتفاع نسبة المصروفات فيها بنحو 14.5 في المائة إلى 270 مليار دولار. فقد أقرت السعودية أكبر ميزانية لها للسنة المالية 2010 بنفقات قدرها 144 مليار دولار بزيادة 14 في المائة عن الإحصاءات المقدرة أصلا لعام 2009. من جملة الإيجابيات، تم تخصيص 49 في المائة من النفقات للبنية التحتية. بدورها، أقرت قطر ميزانية السنة المالية 2010/2011 بمصروفات قدرها 32.4 مليار دولار, ما يعني تسجيل نسبة نمو بنحو 25 في المائة، حيث تم تخصيص 37 في المائة من المصروفات للبنية التحتية.
تداعيات صعبة
شأنها شأن أغلبية دول العالم، عانت دول مجلس التعاون الخليجي الأمرين في 2009 من تداعيات الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة في صيف 2008. من جملة الأمور السلبية للأزمة تراجعت أسعار النفط من 147 دولارا للبرميل في تموز (يوليو) من 2008 إلى نحو 35 دولارا للبرميل مع بداية 2009 بسبب تصدع الثقة. مؤكدا، تقف ظاهرة هبوط أسعار النفط حتى الربع الأول من 2009 وراء عدم قدرة دول الخليج على تحقيق معدلات نمو طبيعية كنتيجة للأهمية النسبية الكبيرة للقطاع النفطي في الاقتصاديات المحلية.
حقيقة القول، تشكل الإيرادات النفطية في المتوسط نحو 70 في المائة من دخل الخزانة العامة فضلا عن 80 في المائة من مجموع صادرات دول مجلس التعاون, وعليه تلعب الإيرادات النفطية دورا محوريا في مستويات النفقات العامة, فضلا عن توجهاتها مثل البنية التحتية في ارتفاع أسعار النفط, فتراجع الدخل النفطي يعني بالضرورة تدني مصروفات الدولة, الأمر الذي ينعكس سلبا على مجمل النشاط الاقتصادي. ويعود الأمر إلى الأهمية النسبية الكبيرة للمصروفات العامة, حيث تشكل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون.
الأمل كبير في أن تنجح دول مجلس التعاون الخليجي في تحقيق نتائج اقتصادية مرضية في 2010 و2011 على خلفية تعزيز النفقات العامة, التي بدورها تعتمد على الإيرادات النفطية. والأهم من ذلك، لا بد من توجيه المصروفات العامة لمعالجة بعض التحديات الجوهرية من قبيل إيجاد فرص عمل مناسبة للداخلين الجدد من المواطنين لسوق العمل وتحقيق أفضل نسبة نمو للناتج المحلي الإجمالي.