تطوير جودة الابتعاث الخارجي ومتطلبات سوق العمل
يعد برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي لبنة أساسية وخطوة جريئة للنهوض بالوطن الغالي. تنوع مصادر العلم من عدة دول موزعة جغرافيا حول العالم وإعداد الموارد البشرية وتأهيلها بشكل فاعل، لهما مردود وطني طويل الأمد وله، فوائد كثيرة غير مباشرة. ولعل أقوى مؤشرات النجاح لهذا البرنامج الطموح يتمثل في الإقبال الكبير على طلب الابتعاث للدراسات الجامعية والعليا من شرائح المجتمع السعودي كافة، والنسبة العالية للمبتعثات، وتخرج عدد كبير من الطلاب بعد إتمام المرحلة الأولى من برنامج الابتعاث الذي انطلق قبل خمس سنوات. ومع التأكيد على أن الابتعاث الخارجي خير استثمار للثروة الوطنية في تنمية وإعداد المتميزين من الطلاب في المرحلتين الجامعية والدراسات العليا، وضرورة استمرار إتاحة الفرصة للمتميزين من الطلاب في المرحلتين، إلا أن الجودة الشاملة للبرنامج في حاجة إلى عمليات تدقيق وتطوير مستمر في عدة مجالات. جودة مخرجات التعليم الخارجي ومدى ملاءمة دراسات الخريجين لفرص العمل في القطاعين العام والخاص بالمملكة من أهم تلك المجالات. وقد يكون مناسبا عمل استقصاء ومسح لمدى رضا جهات التوظيف وخاصة القطاع الخاص عن مستوى خريجي البرنامج وأدائهم خلال السنة الأولى من بدء العمل مقارنة بزملائهم في التخصص أو المجال من خريجي جامعات وكليات المملكة الحكومية والأهلية. هذه المقارنات ستسهم في تحديد جهات الابتعاث المستقبلية وتقيس جودة التعليم فوق الثانوي في المملكة مقارنة بالممارسات والخبرات الخارجية.
وبعد التحقق من جودة مخرجات برنامج الابتعاث، تأتي طبيعة العمل ونوعيته وظروفه بالدرجة نفسها من الأهمية، حيث تعتبر ضرورية للخريجين وليس فقط توافر فرصة العمل. إن دور ومسؤولية جهات التوظيف يرتبطان بشكل كبير بمدى مساهمتها في زيادة نسبة من يختار عمله ويحبه، لا من يجبر عليه. أي بمعنى آخر، النجاح في إعادة الاعتبار إلى مفهوم العمل كنشاط حر وإبداعي يتفاعل فيه الإنسان مع ذاته ومع الآخرين. وإن إعادة إثارة مثل تلك المواضيع، هي مسألة مهمة وضرورية، في ظل هيمنة ثقافة تقدس العمل المجرد في معزل عن صفاته وشروطه الإنسانية، وتعتبر أن من يحدد القيمة الاجتماعية له ولمن يقوم به، هو العائد المالي وليس أي شيء آخر. يفضل كثيرون دراسة الاختصاصات المطلوبة في سوق العمل، وهو ما يفسر إقبال الطلاب اليوم على دراسة الطب والعلوم الطبية وعلوم الكمبيوتر والاتصالات، فاختيار طبيعة العمل ونوعيته ليس في منأى عن قانون العرض والطلب، إلا أنه ليس هناك إحصاءات للخريجين من طلاب الداخل أو المبتعثين تبين نسب من اختار عمله ومن أجبر عليه، لكن بعض المؤشرات تدل على أن نسبة كبيرة من الخريجين لم يختاروا عملهم بمحض إرادتهم، بل اضطروا لذلك بسبب عدم توافر العمل المناسب، ومن أجل تحسين الدخل. وتختلف تلك النسبة تبعاً للدرجة العلمية والتخصص والمنطقة المفضلة التي غالبا يعيش فيها الوالدان والأقارب فقط. لذلك هناك حاجة ماسة لعقد مزيد من ورش العمل واللقاءات وتفعيل التوصيات ومتابعة جمع وتحليل البيانات واستخلاص النتائج وصياغة التوصيات. ولعل أولى الخطوات في هذا السياق اتضح في ملتقى المهنة الذي نظمته وزارة التعليم العالي يوم الأحد 19 جمادى الأولى 1431هـ تحت شعار''الابتعاث الخارجي مؤشرات العرض والطلب'' في الرياض. حيث يهدف الملتقى إلى معرفة الطلبات الموجودة لدى الشركات والمؤسسات والغرف التجارية ووزارة العمل ووزارة الخدمة المدنية والمتطلبات المستقبلية والتخصصات التي يحتاجون إليها للتنسيق لإدراجها في برنامج خادم الحرمين الشريفين للابتعاث الخارجي.
وتؤدي تلك البيانات والمقارنات إذا ما توافرت بشكل ملائم في تطوير البرامج والكليات والجامعات في داخل المملكة. وتوافر مؤشرات ودلائل تساعد الهيئات الدولية والوطنية عند تقييم جودة تلك البرامج والمؤسسات. كذلك يمكن تحديد أحقية عدد كبير من البرامج في الكليات والجامعات الداخلية الأهلية لمزيد من طلاب المنح الداخلية أو يستعاض عنها بمزيد من فرص الابتعاث الخارجي في مجالات محددة حسب احتياجات سوق العمل، مع التركيز على جهات ابتعاث تتميز بجودة المخرجات