ما معنى أن تحقق إسرائيل في محرقة غزة؟

التحقيق عادة له وظيفة واضحة وهو استجلاء الحقيقة المستترة وراء غبار الحوادث والمواقف والدعاوى المتناقضة. وقد أوصى تقرير جولد ستون بأن تقوم حماس وإسرائيل بالتحقيق في الأعمال التي وصفها جولد ستون بأنها جرائم حرب، غير أن التقرير نفسه أكد في أكثر من موضع أن هذه الأعمال الإسرائيلية ارتكبتها الحكومة على أعلى مستوى وبتخطيط مسبق لا يصمد أمامه الدفع بأنها كانت تعد دفاعاً شرعياً عن النفس، كما أن حجم الدمار المتعمد قياساً على الآثار السطحية لصواريخ المقاومة يجعل التمسك بهذا الدفع مدعاة للسخرية، لأن إسرائيل تعتبر نفسها ضحية لهذا العدوان القادم إليها من غزة بصواريخ منزلية الصنع، التي وصفها أبو مازن بأنها صواريخ ''عبثية''. وإذا كان أركان القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية يجاهرون باعتزاز بما قاموا به واعتبروه قمة الأخلاق والبطولة فكيف يطلب من إسرائيل أن تحقق في أعمال رسمية متعمدة، تسابق أركانها على كسب أصوات المواطنين بقدر نجاحهم في سحق أكبر عدد من الفلسطينيين العزل المحاصرين؟ وكيف يطلب من إسرائيل التحقيق وقد سمع العالم كله تحدى تسيبي ليفنى للعالم بعد فرارها من قبضة القضاء البريطاني، بأنها تتمنى أن تعتقل وأن تحاكم حتى تشرح للعالم قضية إسرائيل الضحية التي لم تزد على أنها كانت تدافع عن نفسها، وأنها لن تخضع لإرهاب العالم الذي يتهمها بارتكاب الجرائم. بالمعنى نفسه سبق لنتنياهو أن شدد خلال أزمة ليفني في لندن ومحاولات ملاحقتها قضائياً على أن بريطانيا خضعت لابتزاز مجموعة الملاحقة التي تجردت من ''الأخلاق''. وقد سبق لنا في مناسبات أخرى أن قدمنا تحليلاً مفصلاً لإساءة استخدام ''الأخلاق'' بمفهومها الطبيعي في الخطاب الإسرائيلي، حيث يعتبر إبادة الشعب الفلسطيني ''جهاداً'' لاسترداد حقه من ''الغزاة الفلسطينيين''، ولذلك تعتبر إسرائيل أي حديث عن جرائم إسرائيلية أو حقوق للفلسطينيين استفزازاً ''مقصوداً ومشبوهاً''.
أتمنى أن تجري ليفني مناظرة مع الجانب العربي على مرأى ومسمع من العالم كله حول محرقة اليهود في غزة ومحرقة الألمان ضد اليهود خلال الحرب العالمية الثانية فكيف يطلب من إسرائيل إجراء تحقيق بعد كل ذلك وبعد أن أكد التقرير نفسه ما سبق أن أشارت إليه تقارير منظمات حقوق الإنسان الإسرائيلية والغربية من عدم ثقتها في تحقيقات السلطات العسكرية الإسرائيلية، وماذا تقول هذه السلطات في ضوء اعترافات الجنود والضباط الإسرائيليين أنفسهم بارتكاب المحرقة بدم بارد. لقد كانت المقاومة تدافع عن نفسها ضد عدوان إسرائيلي منسق ومنظم وكاسح أعد له وسبقه حصار خانق ومن الطبيعي أن تجابه المقاومة تحدي إسرائيل نفسياً وأن تهزم أحد أهداف عدوانها وهو إسكات الصواريخ، فلا يجوز أخلاقياً في هذا الجحيم الذي فتح على غزة أن يعتبر البعض أن لهذا العدوان ما يبرره وهو استمرار الصواريخ . وماذا بعد التحقيق في الجرائم؟ هل تستمر مهمة جولد ستون لمتابعة الخطوة التالية أم أن طلب التحقيق كان مجرد حفظ لماء الوجه حتى تنتهي رحلة التقرير في الأمم المتحدة عند هذا الحد؟ أم أن الخطوة التالية هي ملاحقة الضحية وإفلات الجلاد؟ وماذا بعد إعلان إسرائيل رفض إجراء التحقيق؟

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي