سنة الديون الهالكة.. مخصصات ضخمة لخسائر 2009
ودّع الاقتصاد العالمي ومعه اقتصادات المنطقة والخليج عام 2009 بتفاؤل وأمل لدى الجميع في استقبال العام الجديد الذي ينظر إليه العالم على أنه عام الخروج من الأزمة المالية التي عصفت بشدة، وغيرت النتائج المتوقعة المبنية على دراسات جدوى واقعية، وليست من نسج الخيال، ولأن الأزمة لم تكن متوقعة، فإن نتائجها كانت شديدة التأثير في كل شيء، فقد كانت درجة الصعود إلى الأعلى تفتح شهية المستثمر، والمدخر، والممول لتشغيل كل الأموال العاطلة عن العمل، وأسهمت ثقافة المضاربة، وقبول الأخطار العالية في الولوج من كل الأبواب التي تم تجهيزها لاستيعاب الثروات لكي تعمل في ماكينة ضخمة تلتهم ما أمامها، وتعد بالكثير، ولا تبقي إلى القليل.
لقد تقاسم الاقتصاد العالمي نتائج الأزمة وخسائرها بنسب متفاوتة، ولم يبق أحد خارج دائرة الخسارة، إلا أن قطاع التمويل والمصارف بالذات عانى في كل دول العالم ما لم يعانه أحد من المستثمرين، فقد كانت مخاطره أكبر، لأن أرباحه هي الأكبر أيضا في الأحوال الطبيعية التي تم اتخاذ قرارات التمويل على أساسها، فالمصارف لا تخزن الودائع، بل تشغلها بضمانات كافية للطمأنينة على حقوقها، وفي غمرة النشوة زالت المخاوف، وتخلصت بعض المصارف من القيود الإجرائية في منح الائتمان، وعندما وقعت الأزمة لم تكن المكابح مجدية في وقف نزيف الخسائر، لذا فلم يكن هناك بد من المعالجة الإدارية والمحاسبية الصحيحة في مثل هذه الأحوال.
إن مخصصات الخسائر في البنوك الخليجية عام 2009 تقارب عشرة مليارات دولار، وهو رقم موجع للمحافظ البنكية، ومؤثر في القرارات التي ستتخذ في الفترة الزمنية المقبلة في القطاع المصرفي، ومنها برامج التوظيف وعقود التمويل. ومع ذلك، فإن أي مقارنة بأوضاع البنوك العالمية يؤكد أن بنوكنا ومصارفنا بخير رغم شدة وقع الخسائر، وهذا يعود إلى تحفظ البنوك المركزية الخليجية وسياساتها الحذرة في التعامل مع الأسواق، ووجود رقابة مالية ذاتية لدى البنوك، وشروط جوهرية في منح التمويل، وضرورة الحصول على موافقة البنك المركزي في أي برامج تمويل، أو تقديم خدمات للعملاء.
وما ورد في التقارير المالية للبنوك الخليجية عن أوضاعها المالية للعام الماضي يصف الحالة بكل دقة فقد نالت البنوك حصتها من الخسائر، وواجهناها بالمخصصات المالية، وبذلك انقضت سنة الديون الهالكة والخسائر غير المتوقعة، وأقفلت ملفاتها لكي يبدأ عام جديد بظروف جديدة ليست هي ذاتها في العام الماضي، ولكنها استمرار طبيعي لها، فالتراكمات التي تخلقها الأحداث تلقي بظلالها، ولا تنقطع لمجرد بدء عام أو انتهاء عام آخر، فهي حلقات متواصلة بعضها محزن، وبعضها مفرح، وهي استمرار لنزيف أسواق الأسهم والهبوط الحاد في قيمة الأصول الثابتة، وانكشاف حسابات عدد من عملاء المصارف من شركات ومؤسسات، ومجموعات مالية ضاربت بما حصلت عليه من تمويل ضخم في سوق الأسهم والتوسع في المشاريع بناء على تقديرات مؤقتة ومرحلية.
إن المصارف هي الرئة التي يتنفس من خلالها الاقتصاد، وهي الوسيط الأكثر أمانا في تقديم الخدمات، وصاحب الدور الرائد في استثمار المدخرات وتشغيلها، وهي الجهة الوحيدة المصرح لها قانونا بفتح الحسابات للعملاء وقبول الودائع، وتقديم الخدمات المصرفية الشاملة، بل تجاوزت ذلك بكثير، فعودة المرابحة، والمتاجرة، والتأجير التمويلي قد فتحت أبواب السعد، وجعلت من البنوك طرفا رئيسا في البيع والشراء للسلع بأنواعها والعقارات بمختلف استخداماتها، وهي منافذ تسويقية متعددة، ومتنوعة، ودائمة، ومتجددة، وإن البنوك هي الأقدر على معرفة مناطق الخطر، واحتمال الخسارة، ولذا فإن الإحجام الجزئي عن التمويل محل استغراب من العملاء ويعده البعض مرحليا، ونتمنى أن ينتهي بتباشير العام الجديد الذي سيكون فألا حسنا لكل مستثمر ومدخر.