لماذا نتأخر دائما ونفشل .. ما الحل؟ (1 من 2)
مدخل:
من منا لم يهتز وبشدة مما حدث في جدة، فهو يعتبر فعلاً فاجعة ومصيبة بكل المقاييس، وستكون المصيبة أعظم لو تراخينا ورجعنا لحالنا الأولى، وكأن شيئاً لم يحصل ولم نستفد مما حصل لتصحيح أوضاعنا ونغير الطريقة التي ندير بها شؤون حياتنا.
لا يختلف اثنان على أن (الإدارة والفكر الإداري لدى المسؤولين) هما المسؤولان عن النجاح والفشل.
إن ما حدث في جدة يبرز أهمية اختيار الرجال، فقد ورد في كتاب الله إبراز لأهمية هذه الصفات قال الله تعالى: ''قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين'' (القصص 26). إن حسن اختيار الرجال الذين يتحلون بالقوة لمواجهة المعوقات الإدارية والبيروقراطية ومواجهة الفساد وعلاجه يتطلبان القوة والأمانة التي تزكي في النفس الشعور بالمسؤولية وتفعيل المحاسبة حتى يتم أداء الأعمال بصورة جيدة.
***
إن دور القيادي (المسؤول) لا يحدده المنصب والصلاحيات فقط بل هنالك ممارسات قيادية وإدارية مهمة عليه أن يطبقها ويمارسها كي ينجح وبخلاف ذلك سيحقق الفشل، فكم من مسؤول تولى وانتهى وقته ولم يحقق أي جديد بل إنه عطل الوطن وأخره سنوات لا يمكن استرجاعها.
ولعلي هنا أشرك القراء فيما كتبه بعض كبار المسؤولين الناجحين والذين سطروا نجاحات إدارية تجاوزت حدود أوطانهم لتصبح دروسا مستفادة لمن فتح عقله وفكره، وحركه حماسه وحبه لوطنه، ومن المهم ونحن نتحدث عنهم أن نقارن بين ما يقولون ويعملون وبين واقعنا لندرك أهمية التغيير الإداري والحاجة إليه الذي أصبح مطلباً لا مفر منه.
فهذا دونالد كاف الرئيس السابق لشركة كوكاكولا بعد النجاحات التي حققها واجتاز بها المنافسة الشديدة من المنافسين خاصة شركة بيبسي كولا وقد دعي لإلقاء محاضرة عن '' كيف تستطيع تحقيق النجاح؟'' ـــ هذا الإداري هو واحد من اثنين قيل عنهما إنهما لو ترشحا لرئاسة أمريكا لفازا بها، أما الآخر فهو جاك ولش وسنتحدث عنه لاحقا ـــ أقول إنه عندما دعي لإلقاء محاضرته عن كيف تستطيع النجاح؟، قال لهم: ''حقا لم أتمكن أن أضع وصفة لتحقيق النجاح لأن النجاح له أكثر من طريقة، ولكن دعوني أشارككم عدة أمور إذا طبقناها أضمن لكم الفشل وضعها هو في كتاب بعنوان ''الوصايا العشر لفشل الأعمال'' وسنتحدث عن هذه الوصايا وأرجو أن نقارن وضع مسؤولينا عندما نمر على هذه الوصايا التي ذكرها هل هي مطبقة عندنا أم لا؟، فإن كانت مطبقة فنحن نحافظ على فشلنا وإن كانت خلاف ذلك، فإن هناك أملاً لتحقيق النجاح - إن شاء الله. فما هذه الوصايا التي ذكرها في كتابه أن ممارستها تحقق الفشل.
الوصية الأولى: افترض أن كل شيء يسير
في الطريق الصحيح
أو على طريقة إخواننا المصريين ''كله تمام يا ريس'' ويقول الكاتب لا تعترف بوجود أي خطأ أو مشكلة وإذا حدثت ،فما عليك إلا أن تبحث عن سبب لهذه المشكلة كظروف طرأت أو سبب خارج عن إرادتك، المهم أن تلوم غيرك، واستخدم أسلوب الدفاع وعدم الاعتراف بأسباب الأخطاء وبالتالي عدم معالجتها.
ولعل هذا واضح ومطبق لدى المسؤولين في العالم الثالث،فعندما يتم إبداء أي ملاحظة أو انتقاد حول أي قصور حقيقي في الأجهزة التي يشرفون عليها، وبدلاً من البحث عن هذا القصور وسببه والعمل على معالجته وتطوير العمل، فهم يدافعون باستماتة وينفون قطعيا في وسائل الإعلام، فيا سبحان الله هل ما يشغلهم ويهمهم العمل ومسؤولياته وواجباته التي كلفوا بها، أم المهم لديهم ألا ينتقدهم أحد بغض النظر عن أداء الجهاز ومستوى الخدمة التي يقدمها للمواطنين!
ثم تطرق الكاتب لقصة مهمة ومفصلية في عمله كرئيس لشركة كوكاكولا، يقول إنه في عام 1989م أي بعد سقوط جدار برلين عقد اجتماع للشركة وطرح على رئيس قطاع التشغيل الدولي أن نستثمر ما قيمته نصف مليار دولار في ألمانيا الشرقية أو ما يسمى الديمقراطية الجديدة فرفضت على الفور نظرا لضخامة المبلغ، وبعدها قدم هذا المسؤول استقالته وعندما سألت عن السبب أبلغت بأنني رفضت الاقتراح أو العرض قبل أن أقف على حقيقة الفرصة والعائد منها ،فرفضت استقالته ووافقت على زيارة ألمانيا الشرقية والدول الجديدة فبهرت بحجم الفرصة والعائد المتوقع للشركة منها، وعندها عقدنا مؤتمر صحافي أعلنت فيه أن الشركة ستستثمر مليار دولار وليس نصف مليار، ويقول الكاتب حققت هذه الخطوة نقلة رئيسية وأعطت الشركة مركزا متقدما كان يمكن أن نفقده لو أني لم أصغ لصوت العقل.
( فكم من الفرص ضاعت على جميع الدول العربية وشعوبها، لأنها لم نحسن الاستماع للمخلصين وذوي الأفكار النيرة ).
الوصية الثانية: اعزل نفسك
إن ممارسة هذه الوصية تحقق الفشل دون جهد، بل إن هذه الصفة من أهم وأخطر الصفات، المسؤول عن واقع العمل وعدم معايشته له وقصر علاقته على عدد قليل من الأشخاص، يجعلانه تحت رأيهم وقرارهم بل وسيكونون سببا رئيسيا في فشله لأنهم حتما ''سينقلون له ما يحب أن يسمعه وليس ما يجب أن يسمعه'' وسيُعطي صورة غير حقيقية عن واقع العمل وحقيقة ما يمر به جهازه من معاناة أو قصور ولن يصل إليه أي صوت أو صورة تساهم في تصحيح الأمر، ولن يتقبل الآراء الصادقة المخلصة والحلول التي يحتاج إليها الجهاز، وسيصدر قرارات بمعزل عن حقيقة العمل قد تزيد الأمر سوءًا.
ويقول الكاتب جون لي كاري (إن المكتب أخطر مكان ترى العالم من خلاله) فعدم وقوفك ميدانيا على سير الأعمال المهمة والرئيسية لن يجعلك تدرك حجم التطور وحجم القصور وما يتطلبه الأمر لإنجاز هذه المشاريع.
ولنا في ولي أمرنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز قدوة حسنة فرغم مسؤولياته الضخمة ومشاغله الكثيرة إلا أننا نراه من وقت لآخر يقوم بزيارات ميدانية حقيقية فهو يصر - حفظه الله - على أن يقف على الأمور بنفسه، ولا يكتفي بالتقارير وغيرها. فهل الآخرون أكثر انشغالا أو أهمية منه (الإجابة معلومة).
ولتأكيد أهمية الوقوف ميدانيا، فقد ذكر الكاتب أن هوبرت همفري ''كاتب أمريكي معروف'' طالب جميع أعضاء البرلمان وكبار الموظفين الحكوميين في أمريكا باستخدام المواصلات العامة مرة أسبوعيا على الأقل كي يروا العالم على حقيقته وليس من مكاتب مكيفة وسائق يوصلك لباب المكتب وتنزل ولا تعلم معاناة الآخرين في البحث عن موقف وكيف يتعامل الآخرون مع بعضهم بعضا وكيف هي زحمة الطرق وسوء سلوكيات بعض سالكي هذه الطرق.
الوصية الثالثة: مارس اللعبة قريبا
من حدود الخطأ
وطبعا هذه نقيض النزاهة والأمانة والإخلاص، وهي صفات ضرورية لنجاح الأعمال، ويمر على قصص كثيرة وأمثلة لأسباب فشل الأعمال بسبب هذه الممارسات، ويستشهد بهذا التحليل البسيط: ''نجد بعض القياديين لا يسأل ''هل هذا صح؟'' بل يسأل ''هل هذا قانوني؟'' وتطور الأمر حتى وصلوا لمرحلة خطرة وهي ''هل نستطيع أن نقوم بهذا العمل دون أن نكتشف؟'' حتى لو لم يكن صواباً أو لم يكن قانونيا.
الواضح الآن أن ما حدث في جدة ويحدث في غيرها هو نتيجة حتمية لممارسة مثل وصايا الفشل التي أوردنا بعضها، فليتنا نعتبر وندرك خطورتها.
هذا وسنأتي على بقية الوصايا في المقال القادم.