ماذا سنفعل بهؤلاء؟!

إذا كانت شمس اليابان المعاصرة قد أشرقت من عباءة الإمبراطور ميجي، فإن رؤية وكفاح وبسالة الملك عبد العزيز هي التي أضاءت تاريخ العرب الحديث بشمس معجزة تأسيس دولة من بين أشداق ذئاب الرعب والجهل والعوز والأطماع الخارجية.
وإذا كان ميجي قد دفع بنخبة من شباب اليابان آنذاك لبلدان الغرب وأمرهم بسرقة أسرار العلم والصناعة بالعقل، فالمؤسس بثاقب بصيرته بادر إلى إرسال البعثات في إصرار على القفز من البداوة إلى قلب الحضارة، حيث شكلت تلك النخب التي عادت من بعثاتها في مصر والشام والعراق وغيرها الجذوة المعرفية العلمية التي نفخت الروح الحديثة في الكيانات الإدارية التي كان قد وضع مداميكها الملك عبد العزيز ولا سيما التعليم والصحة والخدمات البلدية والمواصلات.
تواصلت شيئاً فشيئاً البعثات إلى أن بلغ زخمها الأكبر في منتصف السبعينيات من القرن الماضي حيث ابتعث الألوف من شباب الوطن لمناهل العلم في أمريكا وأوروبا ثم استهل خادم الحرمين الملك عبد الله عهده ببرنامج طموح للابتعاث مدته خمس سنوات، تم تمديده لخمس سنوات أخرى.
لقد جاءنا زمن شاخت فيه بعض جامعاتنا وبدا وكأنها بلغت سن اليأس فلم تعد غالبية هيئات التدريس فيها سعودية إما لأن الطاقم الأكاديمي السعودي الذي نتج عن بعثات الأمس ذهب بعضهم إلى التقاعد أو لأن بعضا آخر اختطفته مغريات القطاع الخاص، كما عانت جموع طلابنا من عسرة في القبول فيها فتناثر بعض منهم إلى دول الجوار، ورغب آخرون عن الدراسة مرغمين إلى العمل، غير أن الحال تغيرت بعدئذ، فقد أسعفت موارد الطفرة الراهنة تعليمنا العام والجامعي فوجهت الدولة أموالا طائلة من أجل توسيع الخدمات التعليمية والارتقاء بكفاءتها فزاد عدد الجامعات حتى بلغ 31 جامعة، فضلا عن إرهاصات التركيز على نوعية التعليم وجودته.
هذا الاهتمام بالتعليم توسعا في الداخل وابتعاثاً للخارج هو بالتأكيد درة تاج التنمية المستقبلية فهو الاستثمار الأنفس والاستراتيجية الأعظم، فالاستثمار في رأس المال البشري هو خميرة كل استثمار لأنه استثمار في مورد لا ينضب، بل يتعاظم بتعاظم التركيز عليه.. وتلك بديهية لا تحتاج إلى سجال، غير أن هذه البديهية التي قطعنا نحوها نصف الدرب أو بعضه بالابتعاث والتوسع في الداخل تضعنا أمام قلق لا ينفع معه أن تقول إنه تحد فحسب، بل إنه معضلة كبرى تتمثل في كيفية تأمين فرص عمل نوعية لجيوش الخريجين من الطلبة والطالبات القادمين من الخارج والداخل .. عمل تستنطق فيه المعارف والعلوم والخبرات التي حصلوا عليها بمختلف التخصصات ومن مختلف الجامعات. لتأخذ هذا الوطن إلى صدارة الدنيا إنتاجاً وليس استهلاكاً!!
وإذا كنا اليوم نعيش (حيص بيص) البطالة ونتفرج على (بينج بونج) السعودة والمضاربة في سوق الملامات عليها وبقاء السعودة حتى الآن قضية معلقة مقيدة ضد مجهول، فما تراه يكون الحال عندما تبدأ النجوم الزاهرة من أبنائنا وبناتنا تبرق في الدهاليز والردهات في المؤسسات العامة أو الخاصة باحثين عن شؤون الموظفين بالملف العلاق الأخضر الأشهر؟!
لقد كانت بعثات الملك عبد العزيز فجر حداثة هذا الوطن، ومنح ما لحقها من بعثات للتنمية فورة انطلاقتها العصرية، فالدوائر الحكومية والتعليم العام والجامعي ومؤسسات وشركات القطاع الخاص ما كان لها أن تصمد في زحام المنافسة لولا تلك الخبرة العصرية العلمية الصرفة التي أدار بها خريجو بعثات الأمس مؤسسات اليوم، ولأن الأمر كذلك ولا غير، فنحن ملزمون بالمواجهة الإجرائية في الإفادة القصوى من جموع المبتعثين والخريجين بشكل عام، بعيداً عن الغرق في الندوات والمؤتمرات التي تستنزف الوقت والمال ثم تتخثر في توصيات ليس إلا، ذلك أن تنمية لا تمتلك ديناميكية واستمرارية شبابها ستبقى مجرد اجترار في جسد يعاني الروماتيزم وتصلب الشرايين ناهيك عن نضوب معين القدرة والإبداع.
من أجل ذلك ولأجله، أفكر معكم بصوت عال، موجهاً السؤال لكل مسؤول في القطاع الحكومي أو الخاص ماذا سنفعل بهؤلاء؟!
فلنبدأ من نفحة تلك الغيرة الوطنية الزكية التي زفها أخي وزميلي الأستاذ نجيب الزامل في هذه الصحيفة من هذه الضفة بمقالته يوم أول أمس حول الدراسة التي قام بها المواطنان الرائعان محمد زارع الشهري (مستشار تنمية المعلومات والتخطيط الاستراتيجي سابقاً في أرامكو) وعثمان محمد الذوادي (طالب دكتوراة في جامعة جنوب إلينوي الأمريكية) عن توظيف المبتعثين .. ولدى نجيب الخبر اليقين!!

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي