خطط التنمية .. بين المجلدات الورقية والمشاريع الحقيقية!

واضح أن كثيراً من مشاريع التنمية في المملكة يتعرض للإعاقة ولم ينفذ، ولو نفذت جميع المشاريع التي طبعت في مجلدات الخطط الخمسية التسع لكان لدينا الآن أحسن شبكة للمجاري، وأحسن شبكة لتصريف السيول، وأكفأ مصادر للمياه والكهرباء، وأفضل رعاية صحية، وأقوى منظومة تعليمية في العالم العربي، ولو حدث هذا لأصبح لدينا الآن أضخم ترسانة صناعية، وأوسع أراض زراعية، ولو حدث كل هذا على أرض الواقع لأصبحنا اليوم دولة متقدمة أو حتى دولة ناشئة!
أقول لو نفذت جميع المشاريع التي رصدت في مجلدات خطط التنمية منذ الخطة الأولى في عام 1970 لما وقعت أخطاء، ولما أصبحت وايتات الصرف الصحي ووايتات مياه الشرب تجوب وتدك الشوارع وتتلف سفلتتها وأرصفتها، والمؤسف أن وزارة الاقتصاد والتخطيط لم تتعامل مع ما يعوق تنفيذ برامج ومشاريع التنمية كقضية واجبة الحل، بل تركت العوائق تعوق تنفيذ أهم المشاريع وكأن الأمر لا يعنيها البتة.
ونحن من جهتنا نؤكد أن علاج الأسباب المؤدية إلى إعاقة برامج ومشاريع التنمية من صميم وظائف التخطيط، وإذا أهملنا هذا الجانب المهم وهو جانب التنمية الإدارية والإصلاح الاقتصادي والإداري، فإن برامج ومشاريع الخطط لن تنفذ، وإذا لم تنفذ المشاريع فما الفائدة من طبع مجلدات الخطط والاحتفاء كل خمس سنوات بخطة جديدة كان المفترض أن تكون مركبة على برامج الخطة التي سبقتها ثم التي سبقتهما، وهكذا وهكذا.
طبعاً المفترض أن تكون خطط التنمية ممثلة لمجموعة المشاريع والبرامج الهادفة إلى توصيل المجتمع إلى مستويات أعلى من التقدم والنمو، أمّا إذا كانت خطط التنمية مجرد مجلدات ورقية ليس لها علاقة بالواقع، فإنها تعد خططاً فاشلة.
لقد أصدرنا حتى الآن ثماني خطط تنموية على مدى 40 عاماً ونعيش الآن زخم تنفيذ خطة التنمية الخمسية التاسعة، والمفروض أن نكون قد نفذنا جميع المشاريع والبرامج المرصودة في مجلدات الخطط بجودة عالية لأن التخطيط يضمن ويحقق الجودة، ولو حدث هذا لما حدثت كارثة شرق جدة، ولو حدث هذا لكنا الآن في عداد الدول المتقدمة .
دعونا نتساءل: ما علاقة مجلدات الخطط بالتنمية المنفذة في أرض الواقع؟، هل تم تنفيذ كل ما رصدته الخطط من مشاريع وبرامج، أم أن الخطط مجرد بيانات وأرقام لا تعرف غير الورق؟، ثم أين خطط التنمية من الأزمات التي يعيشها المجتمع السعودي مثل أزمات التعليم والرعاية الصحية والمياه والكهرباء والصرف الصحي ومصارف السيول؟!
والسؤال الذي يطرح نفسه : هل الخطط مجرد مجلدات للعلاقات العامة، لنقول للعالم إننا مجتمع يخطط مشاريعه وفق ثوابت تنموية ستنقلنا إلى أجواء الدول المتقدمة، أم نقول للعالم إن مجلدات الخطط نشرت مشاريع ورقية ليس لها وجود في الواقع! في ضوء الإجابات غير المبررة .. ظلت خطط التنمية تنشر طوال أكثر من 40 عاماً اعتمادات تتعلق بتنفيذ مشاريع الصرف الصحي ومشاريع تصريف السيول ومشاريع تصميم المخططات وغير ذلك من مشاريع البروباغاندا الإعلامية، ولكن خطط التنمية لم تنشر أن هذه المشاريع لم تنفذ وأنها تعاني العثرات، وأن الخطط وضعت روشتة العلاج من أمراض العثرات. أجزم بأن 40 عاماً كافية للوصول إلى مصاف الدول المتقدمة، فمثلاً هذه كوريا الجنوبية وضعت خططاً للتنمية على مدى 40 عاماً، وبعد انقضاء الـ 40 عاماً أصبحت كوريا دولة متقدمة تنافس كبريات الدول المتقدمة الغربية، وهذه الصين في 20 عاماً تقدمت وتقدمت على كبريات الدول الاقتصادية في العالم، وماليزيا في 20 عاماً أصبحت دولة من الدول الناشئة التي تضارع بعض الدول المتقدمة، وهذه تركيا في عشر سنوات قلبت معدل الناتج القومي المحلي من رقم بسيط يلتصق بالأرض إلى رقم يقف فخوراً قبالة الـ 9 في المائة سنوياً بكل تحد.
وإذا استعرضنا مشاريع البنى التحتية في هذه الدول نجد أن مشاريع الصرف الصحي في كوريا الجنوبية ـ على سبيل المثال ـ أنهت إلى غير رجعة في عشر سنوات مصيبة الصرف المزعجة، بينما مشاريع الصرف الصحي في بلادنا استمرت لأكثر من 50 عاماً وما زالت تتنكب الخطى، وإذا استعرضنا الجامعات في كوريا الجنوبية نجد أن الجامعات في كوريا أصبحت تنافس على المراكز المتقدمة على مستوى العالم، بينما الجامعات في السعودية خارج نطاق الـ 500 جامعة وفقاً لتقدير جامعة شنغهاي.
إن في كوريا الجنوبية بلغ شأواً متقدماً جداً حتى في بناء المفاعلات النووية، مما جعل كوريا دولة متقدمة، ومتقدمة جداً، بينما التصنيع في المملكة ظل خياراً متوغلا في التخلف إلى أبعد الحدود.
إذن لماذا نحن نصرف وننفق أكثر مما ينفق الآخرون، ومع ذلك ما زلنا أسرى المربع الأول نفسه، أي أننا ما زلنا في البدايات نشكو من الأوضاع التي كانت تحاصرنا حينما أصدرنا في عام 1970 خطة التنمية الأولى، أي أننا ما زلنا نشكو من شح مياه الشرب ومن غياب الصرف الصحي ومصارف السيول ومن انقطاع الكهرباء ومن غياب الرعاية الصحية.. إن 40 عاماً كافية كي نحقق المشروع الوطني الكبير الذي يضعنا ـ ونحن مستريحون ـ في مصاف الدول المتقدمة.
والغريب أن تكلفة انتقال كوريا الجنوبية من دولة نامية إلى دولة متقدمة اقتصاديا لم تصل إلى التكاليف التي أنفقتها الحكومة السعودية بسخاء على مشاريع وبرامج التنمية طيلة الـ 40 عاماً الماضية، ولكن الفرق أن كوريا الجنوبية أنفقت على التنمية بفاعلية عالية جداً وبجودة عالية جداً، بينما نحن أنفقنا بفاعلية أقل وجودة أقل بكثير وفساد أكثر.
إن القوى العاملة التي تحملت مسؤولية تنفيذ مشاريع التنمية في كوريا الجنوبية هم المواطنون الكوريون الذين اكتسبوا الخبرات وعلّوا القدرات وعادوا بمواردهم البشرية وعائداتهم المالية بالفائدة على الاقتصاد الكوري، بينما في المملكة الذين ينفذون المشاريع والبرامج هي القوى البشرية المستقدمة من الهند والباكستان والفلبين وبنجلادش ومصر وسورية، ولذلك فإن المستفيد من تنفيذ المشاريع في السعودية ليس الاقتصاد السعودي فقط، بل أيضاً الاقتصاد الهندي والاقتصاد الباكستاني والاقتصاد الفلبيني والاقتصاد البنجلادشى، رغم أن المشاريع تنفذ فوق الأراضي السعودية وبأموال السعودية، وكان المفترض أن يستفيد الاقتصاد السعودي بكل خيرات المشاريع التي تنفذ على أرضه دون أن تتخطفه أطراف أخرى.
ورغم مضي أكثر من نصف قرن على التعليم الفني إلاّ أنه لا يوجد في سوق العمل السعودي من يعمل من السعوديين في الكهرباء والبناء والسباكة والحدادة والديكور والحلاقة والميكانيكا، وكل الكوادر التي تتخرج من مراكز التدريب والمعاهد الفنية والكليات التقنية إنما تتخرج من أجل “الشهادة” ولا تتخرج من أجل أن تنضم إلى سوق العمل!
هناك بعض القصور في عدد من ميادين التنمية في السعودية يشكل وضعاً سلبياً واضحاً في تصميم خطط التنمية الورقية التي لم ُتعد إعداداً شفافاً لتنمية حقيقية نستشرف من خلالها مستقبلنا وتقدمنا.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي