عقود التمويل العقاري الإسلامي ولجنة تسوية المنازعات المصرفية

من المعلوم أن المختص بنظر القضايا المصرفية في المملكة هي لجنة تسوية المنازعات المصرفية في مؤسسة النقد. وقد أثيرت عدة تساؤلات وكتبت عدة مقالات، بل وصدرت ردود من قبل اللجنة ومؤسسة النقد تؤكد اختصاص اللجنة المشار إليها بالنظر في جميع المنازعات المصرفية منها والتعاقدية مثل عقود المقاولات. وأضم صوتي إلى من يرى اختصاص اللجنة في نظر المنازعات «المصرفية» الناشئة بين البنك وعميله استناداً إلى المرسوم الملكي الصادر بإنشائها وذلك بسبب عدم نظر مثل تلك القضايا من قبل قضاة المحاكم الشرعية في البلاد للطبيعة الربوية التي تحكم المؤسسات المالية في المملكة. على الجانب الآخر, واللافت للنظر هو نظر منازعات المصرفية الإسلامية لدى المحاكم الشرعية في ماليزيا، حيث إنها عقود شرعية. وقد حكمت المحكمة العليا الماليزية في العام الماضي في نزاع نشأ بين بنك إسلامي وعميله في عقد البيع بثمن آجل بأنه عقد صحيح وملزم، كما نص الحكم على أنه عقد بيع وليس عملية مصرفية، وقد أثار هذا الحكم ارتياح المؤسسات المالية الإسلامية في البلاد.
النقطة الأهم هنا, وبما أننا نشهد الآن نقلة قضائية تكاد تكون جذرية وخصوصاً في مجال الاختصاص القضائي، وكذلك استثناء لجنة تسوية المنازعات المصرفية, فإن السؤال الذي يثار هنا هو اختصاص هذه اللجنة عن نزاع قد ينشأ ما بين بنك من جهة وعميل من جهة أخرى حول عقد تمويل إسلامي كعقد الإجارة أو الاستصناع وغيرها من عقود التمويل الإسلامي الأخرى في ظل التحول الكبير الذي يشهده القطاع المالي لدينا من إنشاء لمؤسسات مالية إسلامية، وهذا يشمل المصارف الإسلامية وشركات الاستثمار المالي الإسلامي، وكذلك شركات التأمين التعاوني. أنا هنا لا أقول جميع المؤسسات المالية التي ذكرتها تطبق العقود الإسلامية التي تعمل أو تدّعي أنها كذلك, وهذا هو بيت القصيد. وما عنيته هنا أن اختصاص لجنة تسوية المنازعات المصرفية قد حدّد الأمر السامي الكريم رقم 729/8 وتاريخ 10/7/1407هـ والأمر السامي الكريم رقم 4/ب/110 وتاريخ 2/1/1409هـ. وليس الموضوع هنا هو ماهية هذه اللجنة, فالكل يعلم أنها تنظر في النزاعات المصرفية وتصدر قراراتها الإلزامية فيها. من الجهة الأخرى، فإن الفرصة الآن مواتية جداً، فيما يتعلق بتحديد الجهة المختصة بنظر عقود التمويل الإسلامي, فمن غير المعقول أن يتم نظرها من قبل لجنة تسوية المنازعات المصرفية، وهي اللجنة التي لا يوجد بها أي قاض شرعي. وقد يقول قائل تنظر اللجنة في تلك القضايا من خلال أنظمة مؤسسة النقد, وسيرد عليه بأنه لا يوجد أنظمة – أساساً - لدى مؤسسة النقد تنظم وتحكم عمل المصرفية الإسلامية.
نتيجة لذلك, فأنا أطالب وأرجو من المسؤولين في الجهات القضائية والتشريعية والتنفيذية دراسة اختصاص النظر في أي نزاع لعقود المصرفية الإسلامية والتأمين التعاوني في المؤسسات المالية الإسلامية في المملكة لعدة أسباب منها:
أولاً: إسلامية العقود في المصارف, فنسبة العقود مثل المرابحة والتورق والإجارة والصكوك إلى الإسلام - في رأيي - كاف لنظرها في المحاكم الشرعية، فإن كانت شرعية، كما تقول، فلله الحمد من قبل ومن بعد، وإن كانت غير ذلك, فإن الجهة الوحيدة لتصحيح الخلل الشرعي الواقع هو المحكمة الشرعية، وليس غيرها, ما سيعزز متانة ومصداقية المصرفية الإسلامية والتي بدورها ستنعكس على اقتصاد المملكة ككل, بل وستجعل المملكة مركزاً عالمياً للتمويل الإسلامي.
ثانياً: الأنظمة العقارية المتوقع صدورها قريباً وهي نظام الرهن العقاري ونظام التمويل العقاري وغيرها سيتم نظرها من قبل المحاكم الشرعية ـ إن شاء الله ـ ما سيحتم على المحاكم الشرعية أن تقبل دعاوى البنوك لأنها – أي البنوك - ستكون الممول الأكبر والمتعامل مع هذه الأنظمة الجديدة. وإن كانت المحاكم الشرعية سترفض نظر دعاوى البنوك فيما يختص بهذه الأنظمة فما الداعي لإصدارها أساساً!!
ثالثاً: وهذه النقطة تربط بين النقطتين السابقتين, وبما أن السواد الأعظم من المواطنين يتوخى الشرع في معاملاته المالية ومنها مصادر تمويله سواء استهلاك أم عقار أم تجارة, حيث إن الأنظمة العقارية المذكورة في النقطة أعلاه في أغلبها ستكون على شكل عقود التمويل الإسلامي المذكورة في النقطة الأولى, حيث إن حصة البنوك الإسلامية أو التي لها فروع إسلامية سيكون نصيب الأسد من التمويل العقاري بعد صدور أنظمته, فمن الجناية على المصرفية الإسلامية، وكذلك المواطنون الراغبون في التحاكم إلى شرع الله في معاملاتهم المالية, أن يتم النظر في النزاعات التي ستنشأ عنها لدى لجنة تسوية المنازعات المصرفية.
رابعاً: مناسبة عامل الزمن, فالتنظيم القضائي الجديد الذي تقوم به الجهات المنظمة للبيئة العدلية في المملكة، وهي وزارة العدل، والمجلس الأعلى للقضاء، وغيرها يجعل من تحديد الاختصاص في نظر عقود التمويل الإسلامي ملائماً جداً. وعلاوة على ذلك, فإن ما يشهده العالم اليوم من دراسة مبادئ الاقتصاد والتمويل الإسلامي ستجعله ينظر للمملكة، حيث إنها مصدر الوحي ومركز العالم الإسلامي اليوم، ما يمكّن المملكة من نشر ثقافة الاقتصاد الإسلامي عملياً وقضائياً.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي