الأزمة الاقتصادية العالمية والدروس المستفادة منها

منذ ما يقارب سنتين والعالم يعيش أزمة اقتصادية، في نظر كثير من الخبراء والمحللين الاقتصاديين، هي الأزمة الأعظم والأوسع والأعمق تأثيرا في مجمل الاقتصاد العالمي منذ الحرب العالمية الثانية. واليوم، وإن كنا نشهد تباشير خروج كثير من دول العالم، وبالأخص الكبرى منها، من نفق هذه الأزمة إلا أننا حتى هذا اليوم لم نستوعب كل أبعاد الأزمة وبأي شكل أو صورة سيخرج الاقتصاد العالمي منها, فهذه الأزمة هي بحق مفصل تاريخي وبالتأكيد سيكون هناك اقتصاد ما بعد الأزمة مغاير بالشكل والمضمون لاقتصاد ما قبل الأزمة.
ولكن السؤال المطروح اليوم وبالأخص في الدوائر الأكاديمية والمؤسسات الاقتصادية العالمية، هو مدى استفادة العالم من الدروس والعبر التي تقدمها هذه الأزمة لكي يُستفاد منها والأخذ بها في مرحلة تشكيل اقتصاد ما بعد الأزمة، وثانيا، وهو المهم، تجنب الأسباب والعوامل التي أدت إلى حدوث الأزمة الحالية. لكل أزمة أسبابها الخاصة بها وعدم معالجة هذه الأسباب يعني حتما تكرارها في المستقبل ولو بصورة معدلة نظرا لدخول عوامل أخرى جديدة وتوافر ظروف مغايرة إلا أنها تبقى هي نفسها وتبقى الحاجة إلى معالجة أسبابها الفعلية لمنع تكرارها مستقبلا. لكي يستفاد من هذه الأزمة لابد لنا من دراسة الأسباب التي أدت إلى حدوثها, ولعل أول هذه الأسباب وأهمها هو شكل الأنظمة الاقتصادية التي كانت متبعة قبل حدوث الأزمة والتي هي اليوم محل بحث ومطالبة بتعديلها، ولكن الخوف من ألا تكون هناك محاولات جادة في هذا الإطار. فلقد كانت هناك درجة عالية من التسهيل في السياسة النقدية وهذا التسهيل كان يعكس نظرة اقتصادية ترى أن من الأفضل والأنجح للنشاط الاقتصادي التخفيف من القيود المفروضة على المؤسسات المالية في حركتها وممارساتها المالية، لا بل يجب أن تبنى الأنظمة الاقتصادية على مبدأ الحرية الكاملة وعدم التدخل في مسار النشاط الاقتصادي. واليوم وبعد أن حدثت الأزمة تبين أن هذا التسهيل في السياسة النقدية في حاجة إلى مراجعة وتقنين ومزيد من الإشراف من أجل ترشيد النشاط الاقتصادي في المستقبل.
أما السبب الآخر فهو ما أطلق عليه الفقاعة العقارية, ولم تكن هذه الظاهرة محصورة في أمريكا وإنما حدثت في معظم دول العالم الأخرى وإن كانت البداية في أمريكا. فالتوسع والتسهيل المبالغ فيه في توفير قروض المساكن وتحول هذه القروض إلى أدوات استثمارية في أسواق المضاربة نتج عنه نوع من النشاط الاقتصادي الوهمي، وهذا لا بد له من نهاية في يوم من الأيام. سبب آخر وهو وجود مؤسسات مالية غير البنوك كانت لها حرية أكبر في ممارسة نشاطها مما جعلها تزاحم البنوك وتفرض عليها إعادة تشكيل نفسها لتسايرها من أجل منافستها وتعظيم أرباحها وهذا بدوره جعل من الصعب ضبط إيقاع النشاط الاقتصادي.
وفي إطار تحليل هذه الأسباب والكشف عن وزن كل منها في تحمل حدوث هذه الأزمة نستطيع الإشارة إلى بعض الدروس التي من الممكن الاستفادة منها مستقبلا. أول هذه الدروس التي يذكرها الخبراء في هذا المجال هو أننا يجب أن نكون دائما مستعدين لحدوث الأزمات، وبالأخص عندما يمر الاقتصاد العالمي بفترات رخاء طويلة, فالأزمات هي نتيجة تراكم أخطاء وقد يتم التساهل مع الأخطاء في أوقات الانتعاش الاقتصادي، ولكن هذه الأخطاء تتراكم وبالتالي تتعاظم الحاجة إلى تصحيح كبير وتكون الأزمة هي فرصة لمثل هذا التصحيح.
أما الدرس الثاني فهو أن العالم في حاجة إلى مراجعة نفسه بخصوص العولمة. ليس هناك من يطالب بالتخلي عن العولمة، بل هناك مطالبات بتعزيزها وذلك لأن العولمة هي مرحلة وصل إليها العالم ولا يمكن التراجع عنها ولكن العبرة التي تقدمها هذه الأزمة هي ضرورة ترشيد فكرة وممارسات العولمة لتعظيم منافعها والتقليل من أضرارها. ولعل أنجح الأساليب المطلوبة لترشيد العولمة هو تقوية وتعزيز المؤسسات المالية العالمية. تعزيز العولمة لابد أن يصاحبه وجود مؤسسات مالية عالمية قوية تكون هي المكان الذي تنسق فيه الجهود للإشراف على الاقتصاد العالمي.
هل سرعة تجاوب دول العالم في تنسيق جهودها لمواجهة الأزمة هو الذي قصر من عمر الأزمة وقلل من آثارها ونحن اليوم نشهد مؤشرات كثيرة على بداية الخروج منها أم أن الأزمة لم تكشف بعد عن أبعادها؟ ولكن في كل الأحوال ما يجب على العالم فعله هو عدم الانتظار في تحليل والوصول إلى الأسباب الجوهرية للأزمة. والمهم بعد ذلك وضع الخطط اللازمة للاستفادة من الدروس والعبر التي فيها لأن أزمة اقتصادية بهذا الحجم وبهذه التكلفة يجب على العالم تفادي الوقوع فيها في المستقبل.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي