قالت: تزوجني..!!

لو أن امرأة جاءت إنساناً توسمت فيه الرجولة والصلاح فقالت في أدب: تزوجني، فماذا سيكون جوابه عليها، وماذا سيكون ظنه بها؟ وما هو تعقيب المجتمع على عَرضها؟!.
بداية يجب أن نتفق على أن حق المرأة في اختيار زوجها حق أصيل لا مراء فيه، بل ولها أن تُخالف رأى وليها فيما ذهب إليه، متى رأت أن من جاء يطلبها للزواج لا يُصلح لها، وليس في ذلك أي غضاضة أو سوء أدب.
فإذا كانت المرأة تُستأمر حين تُطْلَبُ للنكاح، ولها أن تقول نعم أو لا، وعلى وليها أن ينزل على رغبتها دون ضجر، فما المانع أن تنقب المرأة عن الرجل الذي تتمناه، كما ينقب الرجل عنها، حتى لا نفاجأ بزيجات تفشل قبل أن تبدأ، و أبرز سبب لذلك هو إهمال المجتمع لرأى المرأة آنذاك، تأثراً بعادات لا محل لها من العدل والإنسانية.
نعم، إن من أروع صفات المرأة حياءها، ولكن هل في طلب الحلال ما يخدش الحياء؟ يقولون: نعم، يجب أن تكون المرأة مطلوبة لا طالبة، ولكن ماذا لو كفَّ الطلب عنها؟! يقولون: تصبر وتبتهل إلى الله أن يرزقها بالصالح من العباد، ولكن كم ستقضى من العمر وهى صابرة؟ يقولون: هى وما قدر الله لها، ولكن أليس فعل البشر مفتاحاً للقدر؟! يقولون: طلب المرأة للزواج فيه قلة حياء؟!... وهكذا تجذبنا إلى قاعها دوامة عميقة من الجدل العقيم، ثم نعود من حيث بدأ الكلام.. هل طلب المرأة للزواج من رجل ما حلال أم حرام؟!.
الحقيقة نحن نُقبح أموراً عادية لا شيء فيها سوى أنها صدرت من أنثى، متذرعين بالحياء الذي حولناه إلى قبر يجب أن تدفن فيه المرأة كل ما تحب وكل ترغب حتى ولو اتفق مع الشرع، و ما عليها إلا أن تنتظر ذاك الفتات الذي يُسقطه المجتمع على رأسها ليوهمها أنها على قيد الحياة.. من قال: إن حياء المرأة قبر أو مُعتقل يجب أن تُلقى فيه حتى يُؤذن لها بالخروج؟!.
إن للمجتمع مفهوماً للحياء يجب أن يتغير، فالحياء جميل نبيل، ولكن ما هى رؤيتنا له؟ هل الحياء صمتٌ رهيبٌ، وكبتٌ عنيفٌ؟! أم أنه خُلق يُمارس في إطار دين وعُرف؟! أجدكم وأجدُ نفسي ننحاز إلى الثانية لصحتها وشرعيتها.. قال رسول الله عليه الصلاة والسلام { إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إن لم تستح فاصنع ما تشاء } وللحديث الكريم فهمان: الأول.. أن الحياء عاصم من بذيء القول والفعل، فإذا فُقد الحياء فلا حائل ولا مانع، والثاني.. أن البوح بالحق والفعل في إطار الشرع والعُرف لا حياء فيه، ولا يجب أن يُتهم من صدح بقول أو فعل حلال بقلة الحياء.
لقد جاءت بنت شعيب عليه السلام يملؤها الحياء، ولكن لم يمنعها من أن تمشى وتقول { فجاءته إحداهما تمشى على استحياء قالت...} فلما لبى موسى عليه السلام الدعوة وجلس إلى شعيب أبيها، لم يمنعها الحياء من البوح بما ترغب ولكن في أدب رفيع { قالت إحداهما يا أبت استأجره...} أي جازه بما يستحق، في إشارة إلى أبيها "النبي" ليزوجه إحداهما.. وهى هنا من طلبت لأنها رأت في موسى عليه السلام نعم الزوج لقوته وأمانته { إن خير من استأجرت القوى الأمين }.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي