برج «خليفة» في دبي ومشكلة الاعتراف بالإيراد
بداية أبعث ببطاقة تهنئة إلى الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حاكم دبي، بمناسبة افتتاح برج ''خليفة'' الذي يعد أطول مبنى على وجه البسيطة. كما أبعث بطاقة أخرى إلى رئيس مجلس إدارة شركة ''إعمار'' محمد العبار، الذي بدا مزهوا بهذا الحدث الكبير أثناء مقابلة ''قناة العربية''، وله الحق في ذلك الزهو فقد استطاعت شركة ''إعمار'' أن تتغلب على ديناصور الأزمة المالية العالمية وتعالوا ببرجها فوق هامته فذهب يناطح غيرها، ورغم ذلك الزهو إلا أن ''العبار'' ظهر كرئيس مجلس إدارة محترف وهو يرد على سؤال مهم حول توقعاته لأرباح الشركة في الربع الرابع من عام 2009م، فقال في معرض تلك الإجابة ''إنه لا يستطيع الإدلاء بتفاصيل أكثر لأن المدققين الماليين أصبحوا أكثر تشدداً''. فلماذا تحفظ ''العبار'' وهو في قمة زهوه؟
لنعد إلى بعض تفاصيل تلك المقابلة فقد قال العبار لـ ''العربية'' إن 90 في المائة من البرج قد تم بيعه بالفعل، وإن 85 في المائة من المبالغ المترتبة على المشترين قد تم تسديدها للشركة، وإن المبالغ المتبقية على كل مشتر سيتم تسديدها عند تسليم الوحدات العقارية. ببساطة، فإن هذا التصريح يعني أن عملية البيع قد تمت قانونيا، وأن ''إعمار'' قد تسلمت ''نقدا'' ما يعادل 85 في المائة من قيمة ما تم بيعه فعلا. وبما أننا في أوائل عام 2010م، فإن عمليات البيع هذه وتسليم المبالغ قد تمت في عام 2009م بلا شك، ورغم ذلك يعود ''العبار'' ليجيب بالنفي عن سؤال ما إذا كانت نتائج هذه العمليات البيعية ستدخل ضمن إيرادات الشركة في الربع الرابع لعام 2009م فقال إنها ستنعكس على القوائم الربعية لعام 2010م، وعلل ذلك – بحسب مقابلة أجرتها معه صحيفة ''دار الخليج'' بقوله: ''كنا نفكر أن نبدأ تسليم بعض الوحدات واحتساب عائداتها في إيراداتنا خلال الربع الرابع 2009م، ولكننا قررنا أن نبدأ تسليم الوحدات في الربع الأول من العام الحالي بعد أن نكمل تسلم البرج من المقاولين''. فلماذا كل هذه التحفظات؟ لماذا لم يتم تسجيل كل هذا التدفق النقدي الضخم في إيرادات عام 2009 ''سنة البيع''؟ ولماذا تم تأجيله حتى عام 2010؟ ولماذا ربط ''العبار'' هذا القرار بتشدد المدققين الماليين (يعني مراجعي الحسابات الخارجيين)؟ إنها مشكلة الاعتراف بالإيراد أخطر المسائل المحاسبية وأكثرها جدلا.
في السنوات القليلة الماضية اندلع كثير من الفضائح المالية التي تم بسببها إعادة ترميم القوائم المالية لكثير من الشركات، حيث اتضح أن رؤساء مجالس الإدارات كانوا يتلاعبون برقم الأرباح، ومن ذلك تضخيمه عن طريق الاعتراف بإيرادات لم يتم تحقيقها وفقا للمبدأ المحاسبي المعترف به، هذه التجاوزات للقواعد المحاسبية تسببت في تضخم الأصول، ومن ثم انهيارها بعد اكتشاف التلاعب لذلك تشددت الدوائر المهنية في كل العالم حول قضية التلاعب برقم الأرباح وأهم أدواتها التلاعب في وقت الاعتراف بالإيراد. محاسبيا يختلف تحقق الإيراد عنه قانونيا، ففي قضية ''إعمار'' مثلا تم توقيع العقد قانونيا وهو ملزم للطرفين (للشركة والمشتري)، فعملية البيع تمت لكن لم تعترف بها المحاسبة بعد. كيف؟
تقتضي المعايير المحاسبية الدولية في المعيار رقم 18 IAS Revenue- بشكل عام - أن يعترف بالإيراد عندما: (1) يمكن قياس (معرفة قيمة) الإيراد بشكل موثوق، (2) أن هناك تدفقا للمنافع الاقتصادية المستقبلية. تهدف المعايير المحاسبية من هذا إلى ضمان أن تدفقا حقيقيا للمنافع الاقتصادية قد تحقق وليس مجرد أرقام فقط. فكما حصل مع شركة إيرباص، وهي تعلن مشروعها الطموح (الطائرة العملاقة 330)، ووقعت بذلك عقودا مع عدد من شركات الطيران العالمية بلغت قيمتها مليارات الدولارات، إلا أن تلك العقود لم تمثل تدفقا حقيقيا للمنافع الاقتصادية فقد أخفقت الشركة في تنفيذ معظم تلك العقود وتضرر سهم الشركة كثيرا من جراء ذلك، دور المعايير المحاسبية أن تضمن للسوق معلومات حقيقية للأحداث الاقتصادية وليس مجرد ادعائها.
وتلك هي القضية في موضوع برج شركة إعمار، فالتدفق الحقيقي للمنافع الاقتصادية لن يتحقق إلا بتسليم الوحدات وليس بمجرد تسلم الدفعات فقط، ولهذا قال ''العبار'' ''ولكننا قررنا أن نبدأ تسليم الوحدات في الربع الأول من العام الحالي بعد أن نكمل تسلم البرج من المقاولين'' فالتحفظ هنا مرده إلى تشدد المعايير المحاسبية. فقد تسلمت ''إعمار'' الدفعات النقدية فعلا، ولكنها قد لا تستطع تسليم الوحدات. هنا تعد المعايير المحاسبية جميع المبالغ التي تحصلت عليها الشركة ديون في ذمتها بدلا من إيرادات. لذلك فإن تشدد المعايير المحاسبية يهدف إلى حماية الأسواق من أن تستخدم ''إعمار'' مجرد توقيع العقود وتسلم النقد لتدعي بها تحقيق الأرباح، بينما هي لم تقم بتسليم أية وحدة فعلا. والقضية عموما تدور حول ما يسمى الحدث الحرج، حيث ننتقل به من حالة الشك (أو عدم التأكد) إلى حالة التأكد. فالشك في قدرة ''إعمار'' على تسليم الوحدات قائم حتى تقوم بذلك فعلا، وهنا فقط يحق لها أن تعترف بالإيرادات وأن تزهو بها.
هذا من جانب تنظيري ومع ذلك، فإنه لا يمكن الحكم على حالة شركة إعمار بهذه البساطة ما لم يتم عرض تفاصيل العقود مع المشترين فقد أصدر مجلس المعايير الدولية التفسير رقم 15 IFRIC 15 :Agreements for the Construction of Real Estate، والذي يهدف إلى تفصيل قضية تحقق الإيراد في الشركات العقارية (اتفاقيات تشييد عقارات) من حيث طبيعة العقد. حيث فصل ذلك بحسب قدرة المشتري على تحديد التصميم والعناصر الإنشائية (هنا يتحقق الإيراد وفقا للإنجاز وليس التسليم لأن العقد أشبه بعملية تقديم خدمات – أعمال المقاولات)، بينما في حالات أخرى لا يحق للمشتري سوى الاختيار بين مجموعة من التصميمات المعدة سلفا، بينما لا علاقة له بالعمليات الإنشائية، ولا يتحكم فيها (هنا القضية أشبه بعمليات بيع السلع فلا يتحقق الإيراد إلا عند التسليم النهائي ونقل حقوق الملكية إلى المشترين كافة).