بعد كل ما جرى: ماذا ينتظر الفلسطينيون؟!
لا أظن أن الوقت في صالح الفلسطينيين حيث تدور آلة التهويد الإسرائيلية في إعلان صريح عن عزمها على التهام الأراضي الفلسطينية وطرد سكانها أو إبادتهم. أما الطرد فيتم بإنذارات الإخلاء التي ترسلها السلطات الإسرائيلية إلى الفلسطينيين في القدس والضفة الغربية. أما في غزة، فإن إسرائيل تعمد إلى تطبيق كل صور الإبادة في منظومة متكاملة تشمل الحصار الخانق إغلاق المعابر وبناء الأسوار وإرهاب السكان وسلسلة الاعتداءات المستمرة.
وباختصار، فإن إسرائيل قد جعلت الحياة في غزة أقرب إلى الجحيم؛ فيتساقط الناس من الجوع والبطالة والفقر وارتفاع الأسعار والخوف والقصف والتضييق عليهم في كل مناحى الحياة، ولذلك حولت غزة فعلا إلى سجن كبير، واجتهدت إسرائيل في إحباط أي محاولة لإنقاذ سكان غزة أو التخفيف عنهم بأي شكل، أو تحقيق أي تواصل بينهم وبين العالم حتى كادت أن تجعل أي محاولة لإنقاذ سكان غزة مما يعانونه تحديا لها وجريمة دولية باعتبارها إنقاذا لإرهابيين يستحقون الإبادة، وتجريم هذا العمل لمصلحة غزة في التشرعات العربية، وبالفعل يتم اعتقال من يثبت أن له علاقة بعمليات إنقاذ غزة مثل دخول الأدوية والأطباء والإمدادات الغذائية. ويدخل في هذه الخطة الإسرائيلية تدمير الأنفاق التي تربط غزة بالأراضي المصرية، وتشجيع مصر على إحكام إغلاق حدودها ولو بالأسوار مع غزة.
الهدف المعلن لإسرائيل هو القضاء على سلطة حماس في غزة، وإعادة التواصل بين غزة والضفة الغربية تحت سيطرة السلطة؛ وبذلك فإن إسرائيل تتفضل على الفلسطينيين بهذا البرنامج في غزة بالمساهمة في إنهاء الانقسام بين الأراضي الفلسطينية؛ مثلما زعمت إسرائيل أنها أنهت تقسيم القدس وحدتها رغم أنها هي التي شطرتها باغتصابها غرب القدس ثم احتلالها لشرقها بعد ذلك بعقد من الزمان تقريبا.
من ناحية أخرى، ماذا ينتظر الفلسطينيون في ''فتح'' و''حماس''؟ وهم يرون هذا المخطط الإسرائيلي الذي يستهدف كل الأرض الفلسطينية، وكيف يفسر هؤلاء الكيد المتبادل بينما إسرائيل تتربص بهم جميعا؟ وعلى ماذا يراهن رئيس السلطة الفلسطينية بعد أن سقط الرهان الأمريكي والإسرائيلي؟ وبعد أن انفض العالم العربي، وتلهى في شؤونه الداخلية.
وماذا سيقول هؤلاء للتاريخ عندما تصل جرافات المشروع الصهيونى إلى مقرهم، وتقبض إسرائيل عليهم بتهمة التخلف عن الفرار بعد أن انطوى كل متر في الأرض، وتحلق بهم قطعان المستوطنين؟ و لماذا لا تحل السلطة التي لم يعد لها دور بعد أن كانت ستارا لشرعية فلسطينية تم تحتها تمدد المشروع الصهيوني؟ ثم لماذا لا يدعو وجهاء الفلسطينيين وكبارهم في كل أصقاع الأرض؛ حتى يتدارسوا كما تدارس حكماء بني صهيون فيما حل بوطنهم؟ وهل لا يزال المصالحة الوطنية بمفهومها البارد الركيك وتيرتها العربية المريضة معنى إزاء تمدد المشروع الصهيونى وتسارع حركته وتقدمه لا يلوي على شيء؟
أخشى أن نكون قد تجاوزنا نقطة اللاعودة، حسبما نبه كثيرون، خاصة في مدينة القدس التي يبدو أن أوروبا قد تراجعت عن موقفها للاعتراف بها عاصمة للدولة الفلسطينية الموعودة بضغط أمريكي غلاب؛ ربما لأن الأوروبيين يعلمون جيدا أن إسرائيل قد التهمت ما يكفي من الأراضي التي كانت ستشكل جسم الدولة الموعودة.