بعد حادثة ليفني .. هل توقف إسرائيل قطار العدالة؟

حادثة ليفني في لندن أفزعت الحكومتين الإسرائيلية والبريطانية، منذ اضطرت تسيبي ليفني وزيرة خارجية إسرائيل السابقة ورئيسة حزب كاديما المعارض وفق الرواية الإسرائيلية إلى إلغاء زيارة كان مقررا القيام بها إلى لندن للمشاركة في مؤتمر الصندوق اليهودي بعد أن علمت أن قراراً قضائياً صدر بتوقيفها بناء على طلب المحامين عن أسر ضحايا محرقة غزة، ولكن المحقق أنه تم تهريبها بعد صدور القرار. وكانت ليفني أحد أقطاب القيادة الإسرائيلية التي أشرفت على محرقة غزة، كما أنها تفخر بذلك وتعتبر هذه المحرقة عملاً مشروعاً. ولكن العالم رأى بنفسه ما جرى وبدأ يعيد النظر في الصورة الرومانسية لإسرائيل، وبدأ يتنبه إلى تحدي إسرائيل للقانون الدولي ولا تعترف إلا بقانونها ومحاكمها. وكان محامو الضحايا قد بدأوا في تعقب المجرمين الإسرائيليين في كل العواصم الأوروبية التي تعترف لمحاكمها بالاختصاص القضائي الدولي وحيث يجوز لهذه المحاكم أن تختص بمحاكمة أي متهم مهما كانت جنسيته وأيا كان مكان وقوع الجريمة، ولكن هذا المسلسل الذي بدأ حتى قبل محرقة غزة كان يواجه دائماً إجراءات قانونية لتخفيف قبضة مبدأ الاختصاص العالمي للمحاكم الوطنية.
ولكن بعد محرقة غزة وبشكل أخص بعد نشر تقرير جولد ستون أصبح هذا التقرير دليلاً قوياً على جدية الاتهام والذي يطمئن القاضي إلى إصدار أمر الاعتقال توطئة للمحاكمة. وبذلك أخذت جهود تعقب وملاحقة المجرمين الإسرائيليين دفعة قوية فعمدت إسبانيا مثلاً إلى تعديل قانون الإجراءات الجنائية بحيث تقصر اختصاص المحاكم الإسبانية في هذا النوع الخطير من الجرائم على المتهمين أو الضحايا من الجنسية الإسبانية.
أما في بريطانيا، فقد شهدت الملاحقات قفزة هائلة كانت أبرزها في أيلول (سبتمبر) ضد ايهود باراك لولا أن القاضي البريطاني حيل بينه وبين توقيفه بسبب تمتعه بالحصانة الدبلوماسية. أما في حالة ليفني، فهي لا تتمتع أصلاً بالحصانة ولذلك كان من السهل إصدار قرار التوقيف، ثم اضطرت المحكمة إلى سحب القرار.
ولكن الملاحظ أن إسرائيل انتقدت الحكومة البريطانية لتهاونها في حماية الشخصيات الإسرائيلية وحذرت إسرائيل بأن بريطانيا لن تتمكن بذلك من المساهمة في عملية السلام مادامت عاجزة عن حماية الشخصيات الإسرائيلية ضد التعقب القضائي. وقد أبدى وزير خارجية بريطانيا صدمته وأسفه لما حدث ووعد بدراسة الإجراءات اللازمة لتلافى ذلك في المستقبل.
فماذا يمكن لبريطانيا وإسرائيل أن يفعلاه حتى تشل يد القضاء البريطاني عن تطبيق القانون البريطاني والقانون الدولي؟ الطريق الوحيد الممكن أمام هذا المأزق هو أن يتم تعديل قانون حصانة الدول حتى يمكن أن يهتدي إليها القاضي البريطاني فلا يعرض علاقات الحكومة للخطر مع إسرائيل حتى تتمكن إسرائيل من الإفلات من العقاب ، ولكننا نشك كثيراً في أن يفلح مجلس العموم في صرف القضاء عن تطبيق القانون الدولي لأن القضية تستند أساساً إلى التزامات بريطانيا الناتجة عن عضويتها في المعاهدات التي تعد أساس تجريم الأعمال الإسرائيلية وهى اتفاقية الأمم المتحدة لإبادة الجنس لعام 1948، ومعاهدة روما المنشئة للمحكمة الجنائية الدولية، واتفاقية جنيف الرابعة. يبدو أن زمن إفلات إسرائيل قد بدأ في الأفول، لعلها تهتدى إلى طريق السلام الحق.

مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي