دبي .. هل اقتصادها أم تجربتها في أزمة؟
ظلت دبي فترة زمنية طويلة محل اهتمام العالم, بعضهم سماها معجزة الصحراء, وهناك من نظر إليها على أنها جرأة استثمارية استطاعت أن تتجاوز كثيرا من العوائق الطبيعية والاقتصادية وأن تنافس مدن ومعاقل الرأسمالية التقليدية مثل لندن وباريس ونيويورك وهانكوك وغيرها, لا بل بعضهم اعتبر دبي صورة مصغرة لاقتصاد المستقبل, حيث استطاعت هذه الإمارة الصغيرة أن تجسد مفهوم العولمة أكثر من الدول التي أنتجت مفهوم العولمة واجتهدت في تسويقه عالميا. لم تعد هناك مشاريع أحلام فلقد استطاعت دبي أن تنقل هذه الأحلام إلى واقع ومشاريع ملموسة, فإذا كان بحر دبي ليست فيه جزر طبيعية تجذب الأغنياء في العالم لبناء مساكن لهم فيها فلتكن هناك جزر صناعية تحاكي الجزر الطبيعية بجمالها وروعة تنسيقها, وإذا كانت المدن الكبيرة احتاجت إلى عقود من الزمن لتأسيس مراكزها العمرانية والنهوض بنفسها وبناء بنيتها التحتية فلقد استطاعت دبي أن تحقق ما يفوق ذلك في غضون سنوات قليلة, لا بل استطاعت دبي أن تجعل من نفسها قبلة الشباب في العالم للقدوم بأفكارهم الاستثمارية الإبداعية ليجدوا عندها وفي أنظمتها ودعمها وما توفره من مناخ استثماري مفتوح خير مكان لتجسيد أفكارهم على أرض الواقع. لم تكن دبي مجرد مدينة نشطة اقتصاديا ونقطة جذب لاستثمارات العالم, بل هي تجربة مثيرة اجتمعت فيها عوامل جذب كثيرة واحتضنت في داخلها حركة نشاط اقتصادي لم يسبق للعالم أن شهد مثله وصار الكل, أفراد وشركات, يحلم بأن ينتفع من هذه التجربة قبل أن يبتعد عنه قطارها وتفوت عليه فرصة العمر. لم تكن هذه أحلام أناس عاديين ولا كلام وتنظير مستثمرين صغار, بل إن هذه الأحلام نطق بها مستثمرون كبار لهم باع طويل في الأسواق العالمية وأناس عندهم خبرة ممتدة في مناطق مختلفة من العالم, كانت أحلاما في وضح النهار ومن أناس يشهد لهم حضورهم في المحافل الدولية, ولم يكن كلاما مرتجلا أو أقوالا تعوزها البيانات والأدلة العلمية بل إنها أقوال كانت تطرح على شكل نظريات اقتصادية جديدة ورؤى لما يسمى اقتصاد المستقبل.
وفي المقابل, وقد يكون من باب المبالغة أن نطلق على من تخوف أو تحفظ على تجربة دبي بالطرف المقابل لأن هذا الطرف كان هو أقل من الأقلية, كانت هناك أصوات تشكل أقلية أصرت على أن تخضع تجربة دبي للأصول الاقتصادية والأسس الاستثمارية المتعارف عليها, التي لا يمكن أن تخرج أو حتى تحيد عن أطرها العقلية والمنطقية. ما حدث في دبي من وجهة نظر هؤلاء الأقلية هو اقتصاد غير حقيقي, هناك من يسميه الاقتصاد أو السوق الاقتصادي الكلامي, أي أنه اقتصاد مبني فقط على وعود وكلام ليس له أسس اقتصادية واقعية. الأحلام والمشاريع الاستثمارية الخيالية التي لا تستنبت في أرض اقتصادية صلبة تبقى مشاريع وهمية وإن كانت لها مقدمات استطاع الناس أن يتلمسوها على أرض الواقع. هل بمقدور الاقتصاد وحده أن يتقدم من دون أن يصاحبه تقدم في المجالات الأخرى؟ وهل ما يحدث في دبي من انفصام تنموي حالة قابلة للديمومة والاستمرار أم أن حالة الشذوذ هذه وأن هذا الوضع الاستثنائي وإن كان بصورة مبهرة فإنه سرعان ما سيرتد على نفسه محطما كل ما تم من إنجازات لأن الانفصام في حد ذاته يختزن في داخله عوامل الهدم والتحلل؟
في إطار هذه الصورة بين من كان معجبا بما يحدث في دبي من نهوض اقتصادي غير مسبوق وبين من كان يحذر من أن ما نشهده حالة غير طبيعية وأن النتيجة في النهاية ستكون حتما عودة الأمور إلى طبيعتها لكنها ستكون عودة مؤلمة وقاسية تضيع فيها موارد وطاقات كثيرة لو أنها استثمرت بشكل طبيعي لكانت مخرجاتها تنمية حقيقية وليس طحنا في الهواء. وفي إطار من قال كلمة نعم ومن قال كلمة لا .. إلى أين ستسير أزمة دبي؟ وما حجم آثارها ومخلفاتها في الاقتصاد المحلي والإقليمي والعالمي؟ وهل سيتعامل العالم مع ما يحدث في دبي على أنه حلقة وربما هي من الحلقات الأخيرة من الأزمة الاقتصادية العالمية؟ أم أنها تكون النهاية لتجربة اقتصادية يتمثل فيها انهيار لفكرة الاقتصاد الرأسمالي المنفلت كما كان هو مصير الفكر الاقتصادي الشيوعي المنغلق تماما؟
ولمعرفة إلى ماذا ستؤول أزمة دبي علينا أولا أن نقترب قليلا من التجربة نفسها للتعرف على ما حدث فعلا في دبي, ما طبيعة التجربة الاقتصادية التي شهدتها هذه الإمارة الصغيرة وهل كانت فعلا قادرة بمقوماتها الذاتية على أن تحمل على ظهرها مغامرة اقتصادية بهذا الحجم؟ وهل الأزمة التي تمر بها الآن أزمة تكسر الظهر أم أن الأمر مجرد أزمة عابرة لا بد من أن يمر بها أي اقتصاد ناهض ومغامر وهو الخط والمسار الذي اتخذته دبي في نهضتها. في النقاط التالية مقاربة مختصرة لطبيعة تجربة دبي الاقتصادية حتى نفهم بعض أسباب الأزمة:
1- النمو السريع: اتسمت تجربة دبي بأنها كانت تسابق الزمن, ووعاء الزمن مهما استطاع الإنسان أن يتسع به يبقى محدودا ولا يمكن للنشاط الاقتصادي مهما كان حجمه أن يغفل عامل الزمن وإلا انفجر هذا الوعاء الذي يحتوي هذا النشاط كما تنفجر السدود عندما تفوق ما تحويه من مياه طاقتها الاستيعابية. دبي أرادت أن تكون المدينة العالمية رقم واحد في كل شيء, مدينة التسوق ومدينة الترويح والترفيه ومدينة ناطحات السحاب والمدينة المقر للشركات العالمية والمدينة السكنية للأغنياء وكبار رجال الأعمال. خطأ دبي أنها اعتقدت أن نجاحها في نشاط معين يعني أنها قادرة على أن تنجح في كل شيء, وأن تنجح في تحقيق ذلك بسرعة الصاروخ.
2 - تضخم النشاط العقاري: ينمو النشاط العقاري ويتضخم في أمريكا, وهي بلد الـ 350 مليون إنسان ويزيد ومن ثم يتسبب هذا التضخم العقاري في حدوث أكبر أزمة اقتصادية تشهدها أمريكا في قرن من الزمن, وما حدث من تضخم عقاري في دبي بالنسبة إلى حجم دبي يفوق ما شهدته أمريكا نسبيا بعدة مرات ولا نريد لهذه الفقاعة العقارية أن تنفجر, لقد كانت تسوق الشقق والعقارات ويضارب بها حتى في البقالات, وصارت المساهمات العقارية تنمو كالطحالب, وكان الكل يشتري فيها ليبيعها مستقبلا بربح يفوق 40 في المائة من أثمانها, فكل النشاط العقاري كان نشاط مضاربة, والمضاربة طالت أو قصرت لا بد لها من نهاية مدوية حالها حال ما حدث في أسواق الأسهم الخليجية. المباني والعمارات وظيفتها السكن وإذا كان ما أنجز في سنة واحدة يفوق 60 ألف شقة والأسعار المطلوبة والإيجارات المعلنة لها أسعار خيالية, بالتالي لا بد أن تأتي اللحظة التي لا نجد من يريد أن يستثمر فيها ويشتريها ويسكنها, والنتيجة أن يتخلى عنها حتى من اشتراها في الأول ودفع جزءا من ثمنها لتعود كرة الثلج تتدحرج على من اقترض واستثمر في بنائها ولا يستطيع الآن أن يسدد القروض التي عليها, مبان لا يوجد من يشتريها ولا من يستأجرها, والبنوك تريد استرجاع فلوسها والفوائد المترتبة عليها, والحل الأول هو التأجيل في السداد, لكن أين المشترون وأين المستأجرون في ظل مستقبل غير واضح وواقع متأزم وأناس يغادرون البلد لأسباب عديدة؟ حتى إن استعاد العقار بعض نشاطه إلا أنه لا ولن يحظى الثقة نفسها التي كان يتمتع بها.
3 - اقتصادات دول كبرى وعلى درجة عالية من التنظيم ولها تاريخ طويل, ومع هذا شهدت فضائح مالية وتجاوزات حادة, وما قد يؤخذ على دبي أنها كانت تنمو بسرعة كبيرة جدا وبمشاريع ضخمة لكن بتنظيم يعوزه بعض الشفافية, بل إن بعضهم يقول إن دبي تفتقدها بدرجة كبيرة. الشفافية ضرورية للتعرف على ما تراكم من أخطاء وتجاوزات, وهذا يساعد كثيرا على الحكم في الحلول المطروحة للتعامل مع الأزمة.
ليس كل ما حدث في تجربة دبي سلبيات, نعم هناك كثير من الأمور الإيجابية والكل يتمنى أن تعود تجربة دبي أكثر رشدا وأكثر نضجا, لكن الوقت هو وقت الأزمة وهو وقت الحديث عن الأخطاء, والمهم الآن صدق المراجعة والاجتهاد فعلا في البحث عن حلول واقعية وجذرية للأزمة وإن كانت هذه الحلول مؤلمة وربما تتسبب في فقد دبي بعض بريقها العالمي.