التربية في مربعها الإنساني .. المحبة أولا (2 من 5)
بدأنا الحديث في الأسبوع الماضي عن التربية كمفهوم, ومن خلال ما توحيه كلمة التربية في مفهومها أو تعريفها, عرفنا أن التربية معراج بالإنسان إلى حيث فطرته المنفتحة على نور الله ـ سبحانه وتعالى, فكلما أخذنا الإنسان واقتربنا به من فطرته ازدادت إنسانيته إشراقا, وهذه هي حقا مهمة التربية ووظيفتها. التربية في حقيقتها الغوص في داخل هذا الإنسان للكشف عن إنسانيته والعمل على تفعيلها في حياته, فكلما قطعنا شوطا في أنسنة الإنسان كان ذلك خطوة متقدمة في تربيته, وكلما كان هناك تراجع في أن يكون ذلك الإنسان إنسانا فهذا يعني بالتأكيد إخفاقا وفشلا في منجزنا التربوي.
وفي إطار تلك المفاهيم الأساسية التي استوحيناها من تعريف التربية نبدأ حديثنا أولا عن الركن الأول أو القاعدة الأولى في المربع الإنساني للتربية وهو ركن المحبة. فأول دائرة من دوائر التربية هي أن يكون للمربي قدرة على التأثير في الفرد المراد تربيته, فالتأثير قد يكون سلبيا أو إيجابيا وإن كانت التربية تهدف إلى إيجاد أثر إيجابي في الإنسان المراد تربيته نفسه, فأنا كأب أو كزوج أو كأخ أو كمدرس أو حتى كمجتمع لا أستطيع أن أؤدي دوري التربوي من غير أن أمتلك مساحة في التأثير في الآخرين من أولاد أو إخوة أو زوجة أو زوج أو تلميذ, أو حتى أفراد المجتمع الآخرين. ولو أردنا أن نحصر حديثنا في إطار الأسرة فقط فإنني كأب أو كأم لا أستطيع أن أنجح في تربية أبنائي وهم لا يشعرون بمحبتي لهم, فقد أمتلك سلطة عليهم بحكم موقعي كأب أو كأم, أو بحكم حاجتهم إلي, ما يجعلني أتسلطن عليهم وأخيفهم أو أحرمهم من بعض متطلباتهم فيضعفون أمامي, وبالتالي يكون لي ذلك التأثير فيهم لتربيتهم وتعديل سلوكهم, ولكن هذا التأثير الذي يأتي بالخوف والترهيب والتسلطن والعقوبة والحرمان حتى إن كان مطلوبا تربويا في حدود معينة إلا أنه لا يحدث ذلك الأثر التربوي الإيجابي المطلوب, بل ربما يكون السبب في إيجاد عقد نفسية تحطم شخصية ذلك الإنسان في المستقبل.
فالمدخل الأول والأهم في التربية هو الحب, لا بل إن التربية هي الحب والمحبة ولا بد أن ننشغل أولا ببناء أواصر من المحبة بيننا وبين أبنائنا ولا بد من مراعاة هذه الأواصر والمحافظة عليها وتقويتها حتى عندما نكون في مرحلة من مراحل التربية التي تقتضي الاهتمام بعناصر أخرى. ودور المحبة في عملية التربية يستند إلى أمرين مهمين, هما:
1- إذا كانت النفس بمثابة وعاء كبير ويحتوي هذا الوعاء في داخله على عدة أوعية فإن توازن النفس واستقرارها مرهون بالقدر الذي يحويه كل وعاء من هذه الأوعية, فمن هذه الأوعية, ومن أهمها, وعاء الحب أو المحبة, وبقدر ما يمتلئ هذا الوعاء بمشاعر المحبة يكون هذا الابن أو البنت أكثر استعدادا للعملية التربوية ويقل هذا الاستعداد إذا لم يحصل هذا الابن على ما يملأ وعاءه من الحب. فهناك من الأفراد من لم يحصل على ما يحتاج إليه من حب, وهذا النقص إذا لم تتم معالجته حتى في المراحل العمرية اللاحقة لمرحلة الطفولة والشباب فإنها تتحول إلى إعاقة نفسية تجعل من شخصيته شخصية غير قادرة على التواصل وتبادل المشاعر مع الآخرين, وهذا سبب الكثير من المشكلات التي يعانيها بعضهم في علاقاتهم الأسرية والاجتماعية. لا بد للتربية أن تكون في إطار الحب وعندما ننتزع منها هذا الإطار فإننا وإن أخلصنا في جهودنا وبذلنا ما نستطيع من جهد وعمل فإننا قد لا نحصد ما نبتغي ولا نصل إلى ما نريد.
2- إن الحب والمحبة يعني الشعور بالمقبولية, وكيف لنا أن نربي فردا من أولادنا ونحن لا نشعره بحبنا له ولا بمقبوليته عندنا؟! فالإنسان عموما عنده رغبة فطرية في أن يكون محبوبا ومقبولا عند الآخرين وبالأخص عند والديه وممن هم قريبين منه وممن هم يهتمون به. التأكيد على المحبة في الإطار التربوي تأكيد لشعور المقبولية عند الفرد المراد تربيته, وكلما يتأكد مثل هذا الشعور عند الإنسان, وبالأخص عند الأطفال يزداد تأثير المربي فيه ويزداد قبوله لتوجيهات والديه أو الشخص المنوط به تربيته. المربي عليه أن يهتم بإيجاد مثل هذا الشعور عند الطفل, وأن ينمي هذا الشعور بمزيد من المحبة, وعند ذلك يقول الأب أو الأم لولدهما إني أنصحك لأني أحبك وإني أمنعك عن فعل هذا لأني فعلا أحبك وأحبك جدا, وإني عندما أعاقبك عند الضرورة لأن حبي لك يفرض علي تنبيهك بالعقوبة لتصحح بعض أخطائك وسلوكياتك, وعندما أهتم بك وأتدخل في بعض شؤونك فذلك لأني أحبك. قد تكون النصيحة هي النصيحة, والعقوبة هي العقوبة, والحرمان هو الحرمان, لكن هناك فرقا كبيرا بين أن نؤطر هذه الأشياء بالحب أو نعطيها جافة وغير دافئة أو محاطة بمشاعر المحبة.
ما ذكر من نقاط هي في الحقيقة محاولة لفهم دور المحبة في الفعل التربوي, وبالأخص في إطار الأسرة وعلاقة الآباء بأبنائهم, لكن قد يقول قائل إننا نتكلم عن شعور طبيعي وفطري عند الأبوين, وهذا صحيح, ولكن ما يهمنا هو حضور مثل هذا الحب عند المربي نفسه والإحساس به عند الطرف الآخر, ففهمي أن في النفس وعاء خاصا بالمحبة, وعندما لا يمتلئ هذا الوعاء فلا تنفع النصيحة ولا تحقق العقوبة مبتغاها, فإننا بالتالي نهتم بوضع كل شيء في إطار من المحبة, وعندما نفهم أن الحب يعني الشعور بالمقبولية ولا تأثير للمربي من غير مساحة كافية عند الولد المراد تربيته, فهذا مهم لأنه يجعلنا نمارس التربية ليس بعقولنا فقط وإنما بقلوبنا أيضا. تبقى هناك مشكلة عند كثيرين منا وهي مهارة إظهار هذا الحب في ممارساتنا التربوية, فكم من أب وأم وهو يتقطع حبا لأبنائه ولكنك تجد هذا الحب إما مسجونا أو لا تجد له وجودا أو حضورا في علاقة الأب والأم بأولادهما, بل عدم الدراية بمهارات التعبير عن الحب يجعلهما يستخدمان أساليب خاطئة ربما تجلب كثيرا من المشكلات لهما, ففي النقاط التالية ذكر موجز لبعض مهارات التعبير الضرورية في العملية التربوية:
1 - الإشارة بالكلام وبشكل مباشر عند التعبير عن محبتنا لهم, ترانا نستخدم كلمات كثيرة للتعبير عن حبنا لأولادنا, ونعتقد أن هذه الكلمات توصل ما نريد إيصاله من مشاعر ولكن ليس هناك كلمة أقوى وأوضح وأكثر تأثيرا من أحبك, واستخدام هذه الكلمة وأخواتها ضروري مع الأولاد وهم في مرحلة الشباب والمراهقة وليس فقط في مرحلة الطفولة. فمن الضروري أن أعبر وبشكل واضح عن حبي لولدي وابنتي وسنجد أنه بهذه الكلمات البسيطة ستكون كل أحاسيس هذا الولد متفاعلة مع ما أقول ومع ما أريد.
2- تعلم فن الاستماع, يعتقد كثير منا خطأ بأن دور الأب أو الأم أو المربي هو الكلام والتوجيه والإرشاد والنصيحة, ودور الأبناء هو الاستماع فقط, علينا كآباء وأمهات أن نعي أننا عندما نستمع ونصغي لأبنائنا قد نكون أكثر تأثيرا فيهم ونحن نستمع من أن نتكلم. نحن نريد أن نعبر عن حبنا لهم بالتواصل معهم, والتواصل يتطلب الحوار, والحوار بين طرفين لكل منهما الحق في الكلام, ويفشل هذا الحوار عندما يكون الكلام من حق طرف واحد فقط.
3- اللمس, هناك كثير من الأطفال ممن تمضي طفولتهم وهم ممن لم يأخذوا كفايتهم من اللمس والاحتضان من الأبوين, وهذا قد ينتج لهم عقدا وأمراضا نفسية في الكبر, وهناك من يجعل مثل هذه العقد, وهي تسمى عقدة اللمس, بأنها أحد الأسباب المهمة وراء الشذوذ والانحراف الجنسي. الكلام وحده لا يكفي للتعبير عن حبنا لأولادنا بل هناك حديث وكلام يتقنه الجسد, وهو في حاجة إليه, وهذا مهم في العملية التربوية, ويجب أن نوظفه ليس فقط في علاقتنا مع أولادنا في مرحلة الطفولة, ولكن علينا أن نطوره حتى في المراحل العمرية المختلفة, فلقد اعتدنا أن نطلب من أولادنا أن يقبلوا رؤوسنا تعبيرا عن احترامهم لنا ولكن ننسى نحن أن نقبلهم وأن نحتضنهم ولا نعي أهمية هذا في علاقتنا بهم.
وختاما نقول إننا لا نستطيع أن نلم بما للحب من دور وتأثير في العملية التربوية, حتى عندما يريد بعضهم أن يرشد مشاعر المحبة هذه عندنا خوفا من أن ينعكس تأثير هذا الحب فيمن نريد تربيته فيطالبنا باستخدام الحب الحازم لأن مثل هذا الحب أنفع وأجدى لبناء شخصية الإنسان في المستقبل إلا أننا نقول علينا أولا أن نؤصل الحب في العلمية التربوية لأن تربية بلا حب كارثة محتمة لنا ولأولادنا ولكل من نريد تربيته, وأما كيف نحب, فهذا مهم أيضا, ولكن هذه الكيفية يهتم بها من هو مقتنع أولا بأن التربية محبة.. وللحديث تتمة.