التربية في مربعها الإنساني (1 من 5)

لسنا في حاجة إلى الدخول في متاهات الكتابة التنظيرية عن التربية كمفهوم أو مصطلح, لكن لا بد لنا من كلام موجز عما تعنيه التربية بالنسبة إلى الإنسان. الجذر اللغوي لكلمة التربية هي كلمة أو فعل ربى, وهو فعل يشير إلى معاني النمو والزيادة, ولهذا فإن تعريفات التربية، وإن تعددت، إلا أنها لا تخرج عن إطار هذا المعنى, فهي محاولة للتدرج بالإنسان إلى الأفضل, وهي تعهد مستمر للارتقاء بالإنسان وتنميته, وهي أيضا توجيه وترشيد لملكات الإنسان النفسية لتأخذ بالإنسان إلى طريق الخير والصلاح لنفسه ولمجتمعه. التربية في حقيقتها توجه للمكون الإيجابي والجانب المعنوي في نفس الإنسان من أجل تنميته وتقويته وإظهار أثره في السلوك والممارسات. التربية إذاً هي عملية تحول داخلي يتم بها انتقال الإنسان من الواقع الذي هو عليه إلى الواقع الذي ينبغي أن يكون عليه. ونستوحي من هذا التعريف عدة مفاهيم أساسية لا بد من الإحاطة بها قبل الشروع في الكلام عن المربع الإنساني الذي تتحرك في داخله العملية التربوية. وأول هذه المفاهيم، وربما أهمها، هو أن التربية هي فعل مستمر وهي وإن كانت تبدأ بتربية الآخرين للإنسان إلا أنها تستمر وتتواصل بتربية الإنسان لنفسه وهذا طريق ممتد لأنه يصل بالإنسان إلى خالقه وهو الله سبحانه وتعالى وهو مثله الأعلى, ''يأيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه''. الإنسان في سعيه وتربيته لنفسه لاكتساب العلم والمعرفة والقدرة والعدل والإحسان وبقية الفضائل فإن في ذلك محاولة منه لأن يوسع من حضوره في حضرة الله ـ سبحانه وتعالى ـ لأن سعة حضور الإنسان في دائرة الرحمة الإلهية وفضاء الفيض الإلهي يرتبط بمقدار ما عند هذا الإنسان من هذه الفضائل والسمات الإلهية. فإن الله مع الصابرين والله مع الصادقين, وإنما يخشى الله من عباده العلماء, ولا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون, والله يحب المحسنين, وبهكذا يتسع ويتأكد حضور الإنسان عند الله - سبحانه وتعالى. أما المفهوم الثاني والأساسي أيضا هو أن حركة الإنسان في انتقاله من الواقع الذي هو عليه هي حركة موجهة وليست عبثية وليست حركة لا وجهة لها, فهي حركة وتوجه تأخذ بالإنسان إلى حيث فطرته المنفتحة على الله - سبحانه وتعالى, حيث يتاح للإنسان أن يقترب من النور الإلهي فتستنير نفس الإنسان بهذا النور, وكلما استنار الإنسان بهذا النور الرباني انحسرت وانكمشت مساحات الظلمة في داخل نفسه, فتجد أن الطيبة والصدق والإحسان والفضائل الأخرى ليست بالسلوكيات التي يجتهد الإنسان في تقمصها والإتيان بها بقدر ما هي نور وانبعاثات نورانية تشع من نفس ذلك الإنسان. وبفضل هذا التشبع بالأنوار الربانية والقرب منها يصبح هذا الإنسان نفسه نورا من هذه الأنوار الربانية ليهتدي بها الناس في الطريق إلى الله, فنبينا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - كان على خلق عظيم, ''وإنك لعلى خلق عظيم'', وهذا الخلق العظيم من عدل ورحمة وصدق وصبر وحب عظيم للآخرين هي كلها صفات وأخلاق بقدر ما هي جعلت هذا النبي العظيم مستعدا لاستقبال فيض النبوة ووسعت من وعائه النفسي لتلقي كلام الله - سبحانه وتعالى - فإنها هي أيضا جعلت من النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - نورا وهداية للناس قبل أن يعرفه الناس كنبي ورسول لله ـ سبحانه وتعالى. إذاَ التربية الحقة هي التربية التي تأخذ بالإنسان وتعود به إلى فطرته إلى حيث إنسانيته وما عدا ذلك فليس بتربية، وإن عادت على الإنسان ببعض الفضائل إلا أنها فضائل قلقة وغير مستقرة وسرعان ما يفتقدها الإنسان لأن التوازن غير موجود لغياب الفضائل الأخرى، والديمومة غير حاضرة لضعف صلتها بفطرة الإنسان, حيث هناك تتنزل الرحمة الإلهية غير المنقطعة والخير الإلهي المتواصل الذي يمدها بطاقة البقاء.
أما المفهوم الثالث الذي نستوحيه من مفهوم التربية, وهو لا يقل أهمية عن ما ذكر من مفاهيم, هو أن التربية عملية تحول وانتقال بالإنسان, وهذا التحول والانتقال تحول نفسي وانتقال داخلي أولا, وهذا التحول النفسي والانتقال الداخلي هما عمليتان تتداخل فيهما عوامل كثيرة وتتطلبان جهدا كبيرا, وكل ذلك يهون لأننا بالتربية نربح الإنسان نفسه, وعندما يكون ربحنا هو الإنسان نفسه فإننا وضعنا أيدينا على كنوز الخير التي وعد الله بها الإنسان في هذه الحياة. التربية هي صحيح عملية تحول ولكنه تحول نفسي داخلي, ولعل هذا هو أحد المقاصد المهمة التي أراد نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - الإشارة اليها في قوله المشهور ''جئتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس'', فتربية الإنسان جهاد للذين يقومون بهذه المهمة, وجهاد عندما يتكفل الإنسان بتربية نفسه. وتكفي كلمة جهاد, لا بل إنه جهاد أكبر لتكشف لنا عن أهمية التربية بالنسبة إلى الإنسان. ومن هذه الزاوية نعرف سر اهتمام الله ـ سبحانه وتعالى ـ ببعث الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية لمساعدتنا نحن البشر على تربية أنفسنا. الأديان كلها جاءت لترتقي بالإنسان ولتنمي فيه إنسانيته, وعندما نجد أن هناك ضمورا في إنسانيتنا وانحسارا في مساحة تأثيرها في حياتنا فإن ذلك يعني أننا كبشر أو كمجتمع فشلنا في الاستجابة والتفاعل مع القيم والمثل التي جاء بها الدين, وبالتالي فلا بد من عودة نصحح بها مفاهيمنا التربوية ولا بد لنا من أن نهتم بمراجعة وترشيد ما أخذنا به من رؤى وأسس تربوية لأنفسنا.
أما المفهوم الرابع الذي ينطق به هذا التعريف للتربية هو ضرورة دراسة الواقع الذي يعيشه ذلك الإنسان المراد تربيته إما من قبل نفسه وإما من قبل الآخرين. صحيح أن التربية صناعة نفسية داخلية بالدرجة الأولى, لكن بما أن هناك امتدادات من الواقع تخترق حصون النفس وتنتقل عن طريقها ما في الواقع من خصوصيات ثقافية واجتماعية, فالتربية إذا في حاجة إلى معرفة ذلك الواقع الذي يعيش فيه ذلك الإنسان. دراسة هذا الواقع وما فيه من خصوصيات والاقتراب منه والتعرف على ما يختزنه من أسرار تساعد كثيرا على تحديد أنجح الطرق وأفضل الأساليب لاكتساب النفس وتربيتها والتأثير فيها.
الواقع مكون مهم من مكونات البيئة المحيطة بنا, وبالتالي لا بد لنا من الأخذ به واعتباره في تشكيل رؤيتنا التربوية, لا بل هناك من ينظر إلى الواقع على أنه هو الفضاء المحيط بالإنسان ولا بد من عبور هذا الفضاء للوصول إلى الإنسان والتأثير فيه, ومع الأسف أننا نغفل كثيرا العامل الثقافي ونتجاهل البعد الاجتماعي في منظومتنا التربوية, وربما كان هذا هو أحد الأسباب الرئيسة وراء إخفاقنا في تربية أنفسنا وتنمية مجتمعاتنا.
أما المفهوم الخامس والأخير الذي نستخلصه من التربية هو أننا بصدد بناء الإنسان والتأسيس لشخصيته, وقواعد هذا البناء هي التي نحن بصدد الحديث عنها ومناقشتها, فهذه القواعد هي أربع قواعد وتشكل فيما بينها مربعا إنسانيا للارتقاء بالإنسان, فهذا المربع الإنساني للتربية تشكله أولا المحبة, وثانيا الاحترام ومن ثم الحرية وأخيرا حق الإنسان في الشعور بالأمن والسلام. التربية إذاً حب واحترام وحرية والعيش في أجواء يسودها السلام, وسنبدأ حديثنا عن الركن الأول في هذا المربع الإنساني للتربية وهو ركن المحبة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي