هل للثقافة دور في كيف نعيش؟
لا نريد أن نخوض فيما تعنيه الثقافة ككلمة أو مصطلح من معنى, ولا نريد أن نستعرض ذلك العدد الكبير من التعريفات التي أوردها الكتّاب والمفكرون للثقافة, لكن نكتفي ونقول إن الثقافة هي ذلك المجموع من القيم والمبادئ والقناعات التي تتأطر بها رؤية الإنسان وفهمه للحياة. فليس هناك أوسع من الحياة وليس هناك فضاء أبعد منها عمقا وأشد منها تعقيدا, فحياة الإنسان تتشابك فيها ما لا يتشابك في غيرها من عوامل لا عدد لها, وتنوع ظروف لا حصر لها, وتداخل مؤثرات لا حد لها, بالتالي الإنسان في حاجة إلى إطار يفك به هذا التشابك من العوامل ويستوعب به هذا التنوع ويفهم وينظم به هذه الكثرة من المؤثرات, وليس هناك إطار يقدم مثل هذا الدور غير الثقافة. وهناك كثير من القضايا والمشكلات ربما حتى الأزمات التي نعانيها على المستوى الفردي أو في الإطار الاجتماعي التي قد لا نفهمها أو نجد لها تفسيرا من غير أن نستعين أو نفحص ثقافة ذلك الفرد أو المجتمع. فقد نجد فردا يعيش وهو محاط بالنعم الكثيرة ولكننا نجده يعيش كالصاحب لهذه النعم وليس يعيش عيشة الإنسان المتنعم بها. الإنسان الذي يكفر بما عنده من نعم مادية هو إنسان قد نطلق عليه الإنسان البخيل, ولكنه في الحقيقة إنسان ليس عنده ثقافة تعينه بما فيها من قيم وقناعات على كشف هذه النعم والتنعم بها. الإنسان الذي عنده ثقافة تستصغر ذاته وتقلل من قيمة نفسه في مقابل ما يمتلك من مال, فهو بالتالي يحتفظ بالأكثر والأعلى قيمة ويحرم نفسه منها لأنها لا قيمة لها عنده, حتى عندما نجد أنفسنا تستسهل الصرف على الأمور المادية وتبالغ في الانشغال بها والاهتمام بتملكها وتحجم عن تقديم ما يستحق في مقابل الحصول على الأشياء المعنوية, فقد يكون السبب في ثقافتنا, فالثقافة المثقلة بقيم ومبادئ وقناعات تتحرك في فلك شهواتنا ونزواتنا ورغباتنا الجسدية لا ننتظر منها أن تسمو بالإنسان ولا أن ترتفع بإنسانيته.
وكيف لنا أن نفهم عندما يتحول الدين إلى مصدر يثير الكراهية في داخل نفوسنا ومحرك للفتن والنزاعات في داخل مجتمعاتنا, وكيف لنا أن نفهم أن التدين يمكن أن يتحول بالإنسان إلى كائن يتمرد على نفسه وإنسانيته وأن يدخله في أزمة مع نفسه ومع مجتمعه. كيف يكون للدين هذا الدور المخرب للإنسان في إنسانيته وللمجتمع في سلامة علاقاته ووحدته واستقراره لولا أن الثقافة المعوجة هي التي استقبلته وشوهت من قيمه وانحرفت بمثله ومبادئه الخيرة؟ وهل بمقدورنا أن نفهم عندما ينشغل بعض رجال الدين في مجتمعاتنا بتسطيح حياتنا؟ وكيف لنا أن نفهم حرصهم في أن يشغلونا معهم في قضايا ليس فقط أنها لا تستثمر مكامن القوة عندنا وليس فقط أنها لا تعزز مكانتنا عند أنفسنا وعند غيرنا, بل إنهم يشغلوننا بقضايا هي بطبيعتها تغيب الحاضر وتستحضر الماضي بقوة وتبعد عنا المستقبل وتعطل عندنا الرغبة في التغيير نحو الأحسن وتثير في داخلنا ما يخرب علاقتنا مع بعضنا. كيف لنا أن نسمح لمثل هؤلاء من رجال الدين بتشويه تديننا والعبث بدواخلنا وتقطيع أواصر التواصل في مجتمعاتنا لولا أن ثقافتنا هي التي اختزلتنا في شخوص هؤلاء الأفراد وهي التي جعلتنا نستفتيهم في كل تفاصيل حياتنا وصرنا نرجع إليهم لنأخذ منهم الحق ونسينا أن القانون العقلي والناموس الأخلاقي يقتضيان أن نبحث عن الحق نفسه وبعدها نعرف أهله, لقد أصبحنا بفضل تقديسنا لهم نقول بما يقولون ونأخذ بما يأخذون به ونحب ما يحبون ونكره ما يكرهون ونبعد ما يبعدون ونقرب ما يقربون ونعيد كتابة ما يكتبون.
وأيضا ألم تشوه الثقافة حقيقة المرأة في نفوسنا؟ حتى المبادئ والقيم التي جاء بها ديننا ليخاطب بها إنسانيتنا كلنا, النساء والرجال, قرأناها وأعدنا إنتاجها ولكن بشكل مشوه يوافق ما تحمله نفوسنا من عقد ثقافية وتورمات قيمية تجاه المرأة كإنسان شريك لنا في هذه الحياة. نحن نعلم أن الحياة كلها فتنة تتحدى الإنسان وتستفز ما عنده من قوى وإمكانات للخير والشر حتى يستقوي بفطرته وبإنسانيته المنفتحة على الله للدخول في دائرة الخير والابتعاد عن دوائر الشر, فالمال فتنة, والأولاد فتنة, والعلم فتنة, والجاه والصحة فتنة, والرجل فتنة للمرأة, والمرأة فتنة للرجل, وكل واحد منهما فتنة لنفسه, فالإنسان في حد ذاته فتنة لنفسه, ولكننا وبثقافتنا المعوجة وبما جاءت لنا به من قيم منحرفة جمعنا كل هذه الفتنة وألبسناها ظلما المرأة, فصارت هي الفتنة الوحيدة في حياتنا, فصرنا نجتهد في محاصرتها وتحجيم دورها والتقليل من قيمتها والحط من عطائها, ولا ذنب لها في كل ذلك إلا أنها مخلوق أعدنا إنتاجه ثقافيا لا ليعيش كإنسان مثلنا بل ليعيش كإنسان في صورة شيطان نتعفف عن ذكره ونجل أنفسنا عن مناداته باسمه, ونستعيذ بالله منه ونستكثر عليه أن يطالبنا بحقوقه لأن ما تعلمناه من ثقافتنا أنه مكون أو مخلوق تابع لنا ووظيفته الوحيدة أن يكون في خدمتنا وأن أمره يعود إلينا. نحن وبالاتكاء على ثقافتنا وليس على تعاليم ديننا اختلقنا من المقولات التي ألبسناها قدسية الدين لنستعبد بها المرأة ونحط بها من مكانتها. فمرة نقول إنها عوجاء في أصلها وفي خلقتها, ومرة ندعي أنها لو استرضتنا نحن معاشر الرجال بلعق ما ينزل من خشومنا لما كفاها ذلك, ومرة أخرى نشر عن التكميم عليها لأنها كائن يتطاير الشر منه في صوته وفي مشيته وفي نظراته, والحقيقة أن هذا الشر موجود في نفوسنا المريضة بمرض ثقافتنا والعليلة بعلة القيم التي تعلمناها منها.
من الطبيعي أن نشعر بالألم ونحن نشهد ما يعانيه كثير من شبابنا في تحديد معالم حياتهم وصورة مستقبلهم واضطراب علاقتهم بمجتمعاتهم, كيف لنا أن نفسر هذا الضياع الذي يعيشه كثير منهم وكيف لا نقلق عندما يترجم هذا الضياع إلى أفعال وممارسات تضعهم ومجتمعاتهم على حافة الخطر, كيف لا نشعر بالحزن ونحن نشهد هذا العدد الكبير من الحوادث التي هي في معظمها تتسبب فيها نفوس متأزمة ومشاعر مكبوتة ورغبات غير مفهومة. كيف يراد لنا كمجتمعات أن نفهم شبابنا وبيننا وبينهم ثقافة لا تقربهم إلينا ولا تشركهم في تشكيل حياتنا, هم يريدون العيش في الحاضر ووجهتهم إلى المستقبل والثقافة تهمش من وجودهم في الحاضر وتحبب لهم بل تهرب بهم إلى الماضي. فإذا كنا حقا نريد أن نعطي مساحة أكبر ودورا أوسع لشبابنا, فعلينا أن نعيد إنتاج ثقافتنا وأن ننفخ فيها قيما ومثلا تصحح رؤية الشباب لأنفسهم وللعلاقة بمجتمعاتهم.
نعم بالثقافة نعرف كيف نعيش, ونعرف كيف نتعامل مع قضايانا وهمومنا ومشكلاتنا والأهم نعرف كيف نتعامل مع أنفسنا ومع بعضنا, مع حاضرنا ومع مستقبلنا وماضينا. إن لم نهتم بثقافتنا وإن لم ننتشلها من سلطة ما حملناها من قيم وقناعات, وهي التي كان لها الدور الأكبر في إنتاج ما نعانيه ثقافيا, فستبقى نظرتنا المعوجة للحياة كما هي. الثقافة هي فن صناعة الحياة وعلينا أن نجتهد في الاهتمام بثقافتنا لأننا نريد لأنفسنا ولمجتمعنا أن يرسم لنفسه ثقافة تعكس الحيوية والإبداع والثقة بالنفس والتطلع إلى المستقبل واحتضان الحاضر في واقعنا.