إنفلونزا الخنازير .. مخاوف مشروعة وحقائق متضاربة
كل دول العالم اليوم مشغولة بأزمة إنفلونزا الخنازير, بل يعد البعض أن أزمة هذا الوباء قد تخطت في أهميتها والاهتمام بها الأزمة الاقتصادية العالمية, بل صار هناك من العلماء والأطباء والمهتمين بالشأن العالمي ممن ينظر أو يحاول أن يعطينا صورة عن العالم ما بعد انحسار هذا الوباء. هناك من يقول لنا في هذا الإطار إن ثلث سكان العالم, نعم ما يقارب ملياري إنسان, سيصاب بهذا المرض والبعض الآخر يقول بإصابة أعداد أكبر وإن هذا الثلث هو من سيموت بهذا المرض. وهناك في بريطانيا ممن يدعو إلى حفر قبور جماعية استعدادا لمن سيفتك به هذا المرض من بشر عندما تتسع دائرته. وفي أمريكا اضطر الرئيس الأمريكي أوباما إلى إعلان حالة طوارئ وطنية لمواجهة احتمال انتشار سريع للمرض بين الأمريكيين, وتضطر دول مثل أكرانيا إلى غلق حدودها كما فعلت المكسيك في السابق محاولة منها لاحتواء انتشار الوباء بين سكانها.
في المقابل هناك من يرفض هذه المبالغة وهذا التخويف للناس ويتهم الأطراف التي وراء ذلك بأنها إما جاهلة بحقيقة المرض وإما أنها مدفوعة بمصالح شركات وجهات تريد أن تنتفع من هذا الخوف والهلع العالمي الذي يشعر به الناس تجاه المرض, بل إن البعض ذهب بخياله إلى أبعد من ذلك وأوصل الأمر إلى حد المؤامرة واتهم في ذلك الدول الكبرى وبالمشاركة مع شركاتها الكبرى لخلق فقاعة هذا الوباء لتحقيق أجندة اقتصادية وربما حتى سياسية. ويؤكد هذا الطرف أن نسبة الموت الفعلية بهذا المرض هي نسبة متدنية جدا وهي لا تتجاوز حدود النصف من الواحد في المائة وهي ربما أقل أو تماثل نسبة من يموتون بالإنفلونزا العادية, بل ربما أن نسبة من سيموت بسبب القلق من الإصابة بهذا المرض هي ثلاثة أضعاف من سيموت فعلا بسبب المرض. و يذهب هؤلاء إلى أبعد من ذلك ويطالبون العالم بأن يوقفوا هذا التهييج والتخويف العالمي وبدل ذلك أن يوجهوا الأموال والموارد التي خصصت لمحاربة هذا المرض إلى أمراض ومشكلات صحية موجودة فعلا وهي أشد فتكا بالإنسان وأكثر ضررا به, فالأجدى في نظر هؤلاء أن نوجه اهتمامنا ومواردنا لقضايا مثل السمنة والتدخين وهي التي ضحاياها فعلا بعشرات الملايين من سكان العالم سنويا ولا توجد دولة في العالم لا تعانيها وتستنزف الكثير من مواردها.
ولم يقتصر الاختلاف على طبيعة المرض وشدة خطورته على الإنسان بل امتد الاختلاف بين العلماء والأطباء إلى حقيقة المصل الذي يفترض أن يقي الإنسان ويحميه من هذا المرض, فالبعض طمأن العالم في البداية بأن بمقدور العلماء والمختبرات العلمية الموجودة في كثير من الدول المتقدمة أن تتوصل إلى إنتاج المصل الواقي لهذا المرض, وأن هذا المصل سيحمي الإنسان من الإصابة بالمرض من غير أن تكون له أضرار أخرى أو مستدامة على صحة الإنسان. والبعض الآخر شكك في القدرة على إيجاد المصل المناسب ومن غير أن تكون لهذه الأمصال المنتجة أضرار خطيرة على صحة الإنسان, وحجة هؤلاء, وبعض هؤلاء ممن لهم شأن في المجال الطبي, إما أن إنتاج مثل هذا المصل المناسب في حاجة إلى وقت وتجارب كافيه للتأكد من سلامة المصل وانعدام آثاره السلبية, وهذا الأمر لم يتوافر أو يتح لما أنتج فعلا من أمصال, وإما بحجة أن الأمصال الواقية من الفيروسات هي في ذاتها تختزن مخاطرة على صحة الإنسان, وبالتالي فاللجوء إلى استخدام هذه الأمصال يجب أن يكون في إطار محدود وكخيار يؤخذ به في الحالات الخاصة. إن هذا المرض ليس بالمرض المجهول للأطباء والعلماء, وتم رصده في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي, وكانت تسجل إصابة واحدة ربما كل سنة أو سنتين في الولايات المتحدة منذ عام 2005 حتى إلى ما قبل انتشاره بشكله الحالي. والمعلوم طبيا وعلميا أن أخطر ما على الإنسان هو أن يصاب بالأمراض التي تصيب الحيوانات والنباتات, وهذا المرض وهذه الإنفلونزا هي من الأمراض التي تصيب الخنازير واستطاع الفيروس المسبب لهذه الإنفلونزا أن يعيد تشكيل نفسه جينيا وأن ينتقل إلى الإنسان ولكن الخطورة هي في تطور قدرته على الانتقال من الإنسان إلى الإنسان. فهو إذاً مرض خطير لأنه في الأصل مرض حيواني وازدادت خطورته لأنه صار بالإمكان أن ينتقل من إنسان إلى إنسان آخر. وتضاف إلى هذه الخطورة خطورة أخرى أنه مرض سريع الانتشار لأن وسائل انتقاله من إنسان إلى آخر هي من الأمور التي من الصعب تجنبها والحماية منها. والمشكلة الأخرى مع هذا المرض أن المصاب به يبقى لمدة أربعة أو خمسة أيام مصدرا للعدوى, بل إن هذه الفترة تمتد إلى أكثر من عشرة أيام إذا كان المريض طفلا وهذا يفسر أهمية الاهتمام بالمدارس وضرورة مراقبتها لأنها قابلة لأن تتحول إلى مراكز انتشار سريعة.
فعلا, هذا المرض مرض خطير لما ذكر فيما سبق من أسباب، ومن الطبيعي أن ترافق الأمراض الوبائية كثرة في المعلومات التي ربما يتعارض بعضها مع بعض, لكن هذا لا يقلل من خطورة المرض, وأيضا من المهم أن ندرك أن كل ما يطرح من وسائل للوقاية من المرض هي في الحقيقة من العادات الصحية التي يجب أن تتبع وبشكل اعتيادي في حياتنا مع وجود المرض أو في عدم وجوده, بل إن هذا المرض أحدث توعية اجتماعية صحية بخصوص بعض العادات الاجتماعية التي من المفروض مراجعتها والتفكير في التخلص منها لأنها في الأساس عادات غير صحية وكانت هناك شكوى من وجودها في مجتمعاتنا. وأما الضجة بخصوص المصل الواقي من المرض, فصحيح أن الشعور بالاطمئنان حول سلامة المصل هو من الحقوق المشروعة للناس, وهذا الدور تقع مسؤوليته على الجهات المختصة بصحة الناس وسلامتهم, ولكن تبقى أيضا حقيقة مهمة وهي أن لكل دواء ولكل مصل طبي نسبة معينة من المخاطر ولا بد من الأخذ بها إذا كان المقابل هو احتمال وجود خطورة أكبر منها.