اقتصاديات تغيّر المناخ في العالم العربي
تطرح قضية تغير المناخ عدداً من الثوابت على المنطقة العربية، الثابت الأول أن تغير المناخ حقيقة يتم مناقشتها في مؤتمرات متعاقبة وترصد لبحوثها الأموال الطائلة، كما أن هذه الظاهرة سوف تصيب العالم كله. الثابت الثاني أن هذه الظاهرة لم تعد ضرباً من الاحتمال، وأن البحوث في هذا الباب قد بلغت حد اليقين ما لم تحدث مفاجآت بيئية خارقة تغير معدلات التطور في تغير المناخ. الثابت من ناحية ثالثة أن المناخ هو وحدة التحليل، وأنه هو الثابت في موضوعنا، وأن كثيرا من المتغيرات تدور حوله أو تنشأ بسببه. والثابت رابعاً هو أن معطيات الحياة الاقتصادية والسياسية والصحية والنباتية وغيرها سوف تتغير، وسوف تطرح تحديات جديدة كلما تفاقمت الظاهرة وآثارها.
من الواضح أن ظاهرة تغير المناخ هي أثر من آثار الأنشطة الإنسانية في الأرض ثم ترتد لتتفاعل مع مجمل هذه الأنشطة وترغم الإنسان على أجندة جديدة يستحيل حصرها في هذه المقالة القصيرة، لكن المقالة تحاول أن تلفت النظر إلى أمور ثلاثة:
الأول ضرورة اهتمام العالم العربي في مجموعه بهذه الظاهرة ووضع سياسة منسقة عربية تأخذ في الاعتبار ما يدور في العالم من حوارات حول هذا الموضوع الخطير، وتؤمّن للعالم العربي مساندة من العالم المتقدم في هذا المجال، وبما يمكّن العالم العربي من أن يكون طرفاً مفيداً في حوارات القرن التي فرضت أجندة كونية جديدة تتجاوز نظرية الصراع على موارد المعمورة إلى ما هو أهم وهو مقاومة عوامل فناء الحضارة الإنسانية في الكون.
أما الأمر الثاني فهو أن التصدي لظاهرة تغير المناخ مسألة علمية وتخطيطية ولا يمكن بغير الارتباط بالسياق العالمي إدراك مخاطرها وتوقي هذه المخاطر.
أما الأمر الثالث فهو ضرورة البدء في دراسة الجوانب الاقتصادية لآثار هذه الظاهرة، ذلك أن صراعاً محموماً سوف ينشأ في كثير من جوانب الحياة بين الإنسان والطبيعة وأهمها مجال الصحة والدواء والأنواع الجديدة من الأمراض التي بدأنا نشعر ببعضها، والآثار الاقتصادية للفيضانات والأمطار الغزيرة، والتصحر في مناطق أخرى، أي إعادة توزيع الموارد الاقتصادية من الناحية الجغرافية وربما توزيع الثروات المعدنية. أما احتياجات الإنسان من الغذاء والموارد الغذائية ومعدل الفقر وتزايد السكان الكونية فهي مجال آخر مهم من الناحية الاقتصادية. والمجال الثالث من الناحية الاقتصادية هو الحجم العام للمياه العذبة التي يقدر أنها تنكمش تحت وطأة التفاعل بين المحيطات والأنهار والمياه الجوفية وما يترتب على ذلك من آثار زراعية، وإعادة توزيع السكان والاستثمار والعمران. وفي مجال الاتصالات بما في ذلك الطيران، فلا شك أن مخاطر عدم دقة الرصد في التحولات المناخية سوف تشمل كثيرا من جوانب الحياة. لكن في نهاية المطاف ما أثر كل هذه التطورات في قضية الحرب والسلام والتسلح والصراع بين بني البشر؟ وما أثر ذلك كله في سعادة الإنسان، غاية جميع الجهود العلمية في جميع المجالات؟
إنني أدعو إلى إنشاء أقسام للدراسات الاقتصادية في الجامعات العربية ترصد الآثار الاقتصادية للتغيرات المناخية بما في ذلك اقتصاديات الأمراض والمعالجة والسباق المحموم بين الأمراض المستحدثة والبحث عن طرق الكشف والتشخيص والعلاج.